*تحليل اقتصادي شامل لأثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على الاقتصاد السوداني*
محمد كمير
1 مارس 2026
تُحوِّل الحرب الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية الاقتصاد السوداني إلى متلقّي صدمات خارجية مركبة، ليس فقط لأنه اقتصاد منفتح على الاستيراد، بل لأنه اقتصاد يعاني أصلًا من هشاشة هيكلية في ميزان المدفوعات، وضعف في الاحتياطيات، واعتماد مرتفع على الواردات الاستراتيجية. القنوات الرئيسية لانتقال الصدمة تتمثل في أسعار الطاقة العالمية، تكاليف الشحن والتأمين في الممرات البحرية، تشدد العقوبات والامتثال المصرفي، وتقلبات تدفقات التحويلات ورؤوس الأموال. الأثر على السودان لا يمر فقط عبر سعر برميل النفط، بل عبر قدرة الدولة والقطاع الخاص على تمويل فاتورة الوقود والقمح والسكر والدواء، ثم عبر انعكاس ذلك على التضخم، وسعر الصرف، ومستوى المعيشة، والأمن الغذائي.
بيانات التجارة الخارجية لعام 2024 تُظهر أن إجمالي واردات السودان بلغ نحو 4.91 مليار دولار، مقابل صادرات بلغت 3.13 مليار دولار، بعجز تجاري يقارب 1.78 مليار دولار. هيكل الواردات يكشف جوهر الهشاشة؛ إذ بلغت واردات المنتجات البترولية نحو 0.891 مليار دولار، بينما بلغت واردات المواد الغذائية 1.764 مليار دولار. أي أن الغذاء والوقود وحدهما يمثلان أكثر من نصف فاتورة الاستيراد. في المقابل، تعتمد الصادرات بدرجة كبيرة على الذهب، مع محدودية التنوع السلعي. كما تُقدَّر تحويلات السودانيين العاملين بالخارج بنحو 0.9 مليار دولار سنويًا، وهي قيمة توازي تقريبًا بند الوقود المستورد.
لأغراض هذا التحليل يُحتسب سعر صرف الدولار عند مستوى 3,700 جنيه سوداني للدولار الواحد. عند هذا المستوى تصبح الأرقام أكثر وضوحًا من حيث الأثر النقدي الداخلي. إجمالي الواردات البالغ 4.91 مليار دولار يعادل نحو 18.17 تريليون جنيه سنويًا. فاتورة الوقود البالغة 0.891 مليار دولار تعادل نحو 3.30 تريليون جنيه، بينما تعادل واردات الغذاء 1.764 مليار دولار نحو 6.53 تريليون جنيه. هذه الأرقام تعني أن أي زيادة بنسبة 10% فقط في إجمالي الواردات تضيف ما يقارب 1.8 تريليون جنيه إلى الكتلة المطلوبة للتمويل، وهو رقم ضخم في اقتصاد يعاني أصلًا من تضخم مرتفع.
في سيناريو تفكك النظام الإيراني وصعود مليشيات تسيطر على البلاد، ترتفع احتمالات تعطل صادرات النفط أو اضطراب الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات النفطية عالميًا بنسبة تتراوح بين 20% و60%. إذا ارتفعت فاتورة الوقود من 0.891 مليار دولار إلى ما بين 1.07 و1.43 مليار دولار، فإن قيمتها بالجنيه السوداني ستتراوح بين 3.96 و5.29 تريليون جنيه، أي بزيادة قد تصل إلى 1.99 تريليون جنيه فوق خط الأساس. هذا المبلغ الإضافي يتطلب إما زيادة في عرض النقود أو سحب سيولة من قطاعات أخرى، وفي الحالتين سينعكس تضخمًا وارتفاعًا في أسعار النقل والطاقة والإنتاج الزراعي والصناعي.
الأثر غير المباشر يتجلى في الغذاء وسلاسل الإمداد. زيادة بنسبة 20% في واردات الغذاء تعني نحو 352 مليون دولار إضافية، أي ما يعادل حوالي 1.30 تريليون جنيه. هذه الزيادة ستنتقل مباشرة إلى أسعار الخبز والحبوب والسكر والزيوت، مما يعمّق التضخم الغذائي ويؤثر على القوة الشرائية، خصوصًا أن الغذاء يشكل النسبة الأكبر من إنفاق الأسر محدودة الدخل. ومع ارتفاع تكلفة الوقود، ترتفع تكلفة الري والنقل والتخزين، ما يضاعف أثر الصدمة على أسعار السلع الأساسية.
أما في سيناريو بقاء النظام الإيراني واستمرار الحرب، فقد لا نشهد قفزات حادة في أسعار النفط، لكن استمرار علاوة المخاطر في الشحن والتمويل سيُبقي تكلفة الاستيراد مرتفعة. حتى زيادة محدودة بنسبة 10% في فاتورة الوقود تعني نحو 89 مليون دولار إضافية، أي قرابة 329 مليار جنيه. كما أن أي ارتفاع في تكاليف التأمين البحري أو تأخير في وصول الشحنات يضيف تكلفة خفية تُترجم في النهاية إلى تضخم داخلي. الحرب الممتدة لا تُحدث صدمة فجائية فقط، بل تخلق بيئة عدم يقين مزمنة تُعطل التخطيط والاستثمار.
تحويلات السودانيين العاملين بالخارج، البالغة 0.9 مليار دولار، تعادل عند سعر 3,700 نحو 3.33 تريليون جنيه. هذه التحويلات تمثل ركيزة تمويلية مهمة توازي تقريبًا بند الوقود المستورد. أي تراجع بنسبة 10% يعني فقدان 90 مليون دولار، أي نحو 333 مليار جنيه. في بيئة تتسم بارتفاع الطلب على الدولار، فإن تراجع التحويلات يزيد الضغط على سوق الصرف ويُسرّع انتقال التضخم عبر قناة العملة.
من زاوية ميزان المدفوعات، فإن أي زيادة في فاتورة الاستيراد دون زيادة مقابلة في الصادرات أو التحويلات تؤدي إلى اتساع العجز الخارجي. وعند احتساب العجز التجاري البالغ 1.78 مليار دولار بسعر 3,700 جنيه، فإن الفجوة تعادل نحو 6.59 تريليون جنيه سنويًا. هذه الفجوة تمثل ضغطًا مستمرًا على الاستقرار النقدي، خصوصًا إذا لم تُدار صادرات الذهب بكفاءة تعظم الحصيلة الرسمية.
الحرب تؤثر كذلك على الاستثمار الأجنبي والمساعدات الدولية. ارتفاع المخاطر الجيوسياسية يدفع رؤوس الأموال إلى الملاذات الآمنة ويقلل شهية الاستثمار في الاقتصادات عالية المخاطر. كما أن المانحين قد يعيدون توجيه مواردهم نحو مناطق الصراع المباشر، ما يقلل من فرص السودان في الحصول على دعم مالي كافٍ في مرحلة حرجة.
في مواجهة هذه المعادلة، تتطلب المرحلة حلولًا غير تقليدية تتجاوز إدارة الأزمة إلى إعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية. يمكن إنشاء آلية مقاصة تجارية بالعملات المحلية مع شركاء استراتيجيين لتقليل الاعتماد على الدولار في جزء من واردات الغذاء والوقود. كما يمكن إصدار أدوات مالية مدعومة بالذهب موجهة للمغتربين والمستثمرين المحليين لامتصاص السيولة وربطها بأصل حقيقي بدل تحولها إلى طلب على الدولار. إنشاء صندوق استقرار للواردات يمول من حصائل الذهب الرسمية والتحويلات قد يوفر مظلة تمويلية لبنود الوقود والقمح.
على المدى المتوسط، ينبغي تسريع برامج إحلال الواردات في الغذاء عبر دعم الإنتاج الزراعي المحلي وتطوير سلاسل القيمة، وتقليل كثافة الطاقة المستوردة عبر الاستثمار في بدائل الطاقة المتاحة. كما أن تحسين حوكمة صادرات الذهب وتقليل التسرب يمكن أن يرفع الحصيلة الرسمية من النقد الأجنبي، ما يخفف الضغط على الميزان الخارجي.
الخلاصة أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تمثل صدمة خارجية كبيرة لاقتصاد يعاني أصلًا من اختلالات داخلية عميقة. وعند سعر صرف يبلغ 3,700 جنيه للدولار، تتحول كل زيادة في الفاتورة الخارجية إلى عبء تريليوني داخل الاقتصاد المحلي. لذلك فإن التعامل مع هذه الحرب لا ينبغي أن يقتصر على إدارة آثارها المباشرة، بل يجب أن يكون دافعًا لإصلاحات هيكلية تقلل اعتماد السودان على الواردات وتُعزز قدرته على امتصاص الصدمات الخارجية.

