السودانيون و ذاكرة النزوح القريبة
إيثار عبد الحميد
لم يكد السودان يبدأ في استعادة أنفاسه بعد شهور طويلة من الحرب حتى وجد السودانيون أنفسهم يتابعون أخبارا جديدة عن تصاعد التوتر في المنطقة
ضربات عسكرية وتصريحات حادة واحتمالات اتساع الصراع
وهي أخبار تعيد إلى الذاكرة مشاهد لم تبتعد كثيرا عن الوجدان السوداني
السودان اليوم يعيش حالة من الهدوء النسبي بعد فترة قاسية من الصراع الذي ترك آثارا عميقة في المدن والبيوت والنفوس
بعض المدن بدأت تستعيد مظاهر الحياة تدريجيا
أسواق فتحت أبوابها
أسر بدأت تعود إلى منازلها
وأصوات الحياة تحاول أن تعلو على ذاكرة الرصاص
غير أن هذا الهدوء لا يزال هدوءا حذرا
فهو أقرب إلى سكون ما بعد العاصفة
حيث يحاول الناس ترميم حياتهم وسط آثار الدمار ومشاعر الفقد وذكريات النزوح
في الوقت ذاته تتصاعد في الإقليم أحداث عسكرية وسياسية تزيد من حالة القلق لدى كثيرين في المنطقة
فالأخبار القادمة من محيط الشرق الأوسط تتحدث عن ضربات عسكرية واحتمالات اتساع دائرة الصراع
وهو ما يجعل الكثير من السودانيين ينظرون إلى تلك التطورات بقدر كبير من الحساسية والخوف
الحرب حين تمر على بلد لا تترك آثارها في الجغرافيا فقط
بل تتركها أيضا في الذاكرة الجمعية للشعوب
ولذلك أصبح السوداني اليوم أكثر انتباها لأي خبر عن تصعيد عسكري
وأكثر قلقا من احتمالات امتداد الاضطراب في الإقليم
تتضاعف هذه المشاعر لدى السودانيين المقيمين في دول الخليج
فهؤلاء يعيشون حالة مركبة من القلق
قلق على وطن لم تلتئم جراحه بعد
وقلق من أن تتأثر المنطقة التي يعيشون فيها بتطورات الصراع الإقليمي
كثير من هؤلاء المقيمين كانوا قد غادروا السودان تحت ضغط الحرب أو قبل اندلاعها بقليل
وبعضهم عاش تجربة النزوح بكل ما تحمله من قلق وعدم يقين
ولذلك فإن أي حديث عن حرب جديدة في المنطقة يعيد إلى الذاكرة تلك اللحظات الصعبة
تجربة النزوح ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر
بل هي تجربة إنسانية ثقيلة تترك أثرها في الروح والذاكرة
ومن حمل حقيبة النزوح مرة يدرك جيدا معنى أن يفقد الإنسان استقراره فجأة
وفي مقابل هؤلاء هناك فئة أخرى من السودانيين لم تعش تفاصيل الحرب داخل السودان
لكنها عاشت الحرب من خلال الأخبار والاتصالات والقصص القادمة من الأهل والأصدقاء
هذه الفئة لم تر القصف بعينها لكنها عاشت الخوف عبر الروايات والصور
وهو خوف مختلف لكنه لا يقل أثرا
المشهد الحالي يكشف أيضا عن حقيقة مهمة وهي أن السودان لم يعد بمعزل عن محيطه الإقليمي
فالتوترات في المنطقة تنعكس بالضرورة على الحالة النفسية والاجتماعية للسودانيين داخل البلاد وخارجها
كما أن تجربة الحرب الأخيرة جعلت الكثير من السودانيين أكثر وعيا بقيمة الاستقرار
وأكثر إدراكا لما يمكن أن تفعله الحروب بحياة الشعوب
فالحروب تبدأ عادة بقرارات سياسية لكنها تنتهي بقصص إنسانية مؤلمة
قصص عن بيوت تركت وأحياء خلت وذكريات علقت في طرقات المدن
اليوم يحاول السودانيون استعادة حياتهم بهدوء يحاولون إعادة ترتيب تفاصيل يومية بسيطة
عودة إلى البيت ، عودة إلى العمل
عودة إلى حياة طبيعية طال انتظارها
ولعل أهم ما خرج به السودانيون من تجربة الحرب هو إدراك عميق لمعنى السلام ..
فبعد أن عاش الناس قسوة النزوح وفقدان الأمان لم يعد السلام بالنسبة لهم شعارا سياسيا أو خطابا إعلاميا ، بل أصبح حاجة إنسانية حقيقية .

