*كيف يمكن للحرب الامريكية الاسرائلية علي ايران أن تعيد رسم الاقتصاد السوداني*
محمد كمير
١٤ مارس ٢٠٢٦
شهدت الأسواق العالمية منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإيرانية الأخيرة ارتفاعاً حاداً في أسعار النفط، وهو ارتفاع يرتبط مباشرة باضطراب أهم شريان للطاقة في العالم وهو مضيق هرمز. هذا المضيق يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وأي تعطّل فيه يؤدي فوراً إلى قفزة في الأسعار وتوتر في أسواق الطاقة العالمية. ومع تصاعد الحرب وتراجع حركة الناقلات النفطية في الخليج، قفز سعر خام برنت إلى ما يزيد عن 100 دولار للبرميل مع توقعات بإمكانية ارتفاعه إلى مستويات أعلى إذا استمر الصراع لفترة طويلة.
هذه الزيادة الكبيرة في أسعار النفط تمثل ظاهرة اقتصادية مزدوجة التأثير بالنسبة للسودان. فمن جهة، السودان ليس دولة مصدرة للنفط في الوقت الحالي، بل يعتمد على استيراد جزء كبير من احتياجاته من الوقود. لذلك فإن ارتفاع الأسعار العالمية يؤدي مباشرة إلى زيادة فاتورة الواردات وارتفاع تكلفة النقل والكهرباء والإنتاج الزراعي والصناعي. كما أن أسعار الديزل والوقود تدخل في تكلفة الغذاء والنقل، ما قد يرفع معدلات التضخم بشكل كبير داخل الاقتصاد السوداني. ومع اقتصاد يعاني أصلاً من الحرب وضعف العملة وارتفاع الديون، فإن صدمة أسعار الطاقة قد تؤدي إلى ضغوط كبيرة على الميزانية العامة وعلى مستوى معيشة المواطنين.
لكن في المقابل، هناك زاوية مختلفة تماماً قد تجعل هذه الأزمة تحمل فرصاً اقتصادية للسودان، وهي علاقة الذهب بالنفط. تاريخياً، ترتفع أسعار الذهب في فترات التوتر الجيوسياسي وارتفاع أسعار الطاقة، لأن المستثمرين يبحثون عن ملاذات آمنة. والسودان يعتمد بدرجة كبيرة على الذهب كمصدر رئيسي للعملة الصعبة؛ فقد وصل إنتاجه إلى نحو 64 طناً في عام 2024 وارتفع إلى حوالي 70 طناً في عام 2025 رغم الحرب، كما أصبح الذهب يشكل أكثر من 65٪ من صادرات البلاد.
إذا استمرت الحرب وارتفعت أسعار النفط، فمن المرجح أن ترتفع أسعار الذهب أيضاً، ما قد يزيد قيمة صادرات السودان من الذهب ويمنح الاقتصاد بعض العملة الصعبة التي يحتاجها بشدة. لكن المشكلة هنا أن الاقتصاد السوداني لا يستفيد بالكامل من هذا المورد، لأن جزءاً كبيراً من الذهب يتم تهريبه خارج القنوات الرسمية، مما يقلل من استفادة الدولة من العائدات. لذلك فإن ارتفاع أسعار الذهب قد يتحول إلى فرصة كبيرة فقط إذا استطاعت الدولة تنظيم قطاع التعدين وضبط الصادرات.
السيناريو الأكثر إثارة للاهتمام اقتصادياً يتعلق بتغير طرق تصدير النفط الخليجي. فمع تعطل مضيق هرمز بدأت بعض الدول الخليجية في تحويل صادراتها عبر البحر الأحمر باستخدام خطوط الأنابيب إلى ميناء ينبع في السعودية، وهو مسار يسمح بتجاوز المضيق بالكامل.
هذا التحول يفتح فرصة استراتيجية للسودان لعدة أسباب. أولاً، ازدياد حركة النفط في البحر الأحمر يعني زيادة حركة الناقلات والخدمات اللوجستية في المنطقة، وهو ما قد يعزز أهمية الموانئ القريبة مثل ميناء بورتسودان. ويمكن للسودان أن يستفيد من ذلك عبر تقديم خدمات الصيانة والتموين البحري والتخزين أو إنشاء مناطق لوجستية مرتبطة بحركة الطاقة. ثانياً، يمكن للسودان أن يطور علاقات اقتصادية مع دول الخليج في مجال التخزين أو خطوط الأنابيب أو حتى مشاريع المصافي على ساحل البحر الأحمر، مستفيداً من موقعه الجغرافي الذي يربط أفريقيا بالشرق الأوسط.
لكن هذه الفرصة ليست تلقائية، لأن البحر الأحمر نفسه قد يتحول إلى منطقة توتر عسكري أو أمني إذا امتد الصراع إلى خطوط الملاحة البحرية أو إذا تعرضت ناقلات النفط لهجمات. في هذه الحالة قد ترتفع تكاليف التأمين والنقل البحري، ما قد يقلل من المكاسب الاقتصادية المتوقعة.
هناك أيضاً سيناريوهات أخرى قد تلجأ إليها دول الخليج لتصدير النفط دون المرور بمضيق هرمز. أحد هذه السيناريوهات هو توسيع خطوط الأنابيب عبر السعودية إلى البحر الأحمر، أو زيادة الاعتماد على خطوط الأنابيب عبر الإمارات إلى بحر العرب، أو نقل جزء من النفط عبر العراق وتركيا إلى البحر المتوسط. كما يمكن أن تلجأ بعض الدول إلى زيادة صادرات الغاز الطبيعي أو المنتجات المكررة بدلاً من الخام لتجاوز القيود اللوجستية. كل هذه الخيارات تعني إعادة رسم خريطة الطاقة في المنطقة.
بالنسبة للسودان، فإن كل سيناريو يحمل مخاطر مختلفة. فإذا ارتفعت أسعار النفط كثيراً فقد يواجه الاقتصاد موجة تضخم حادة وارتفاعاً في أسعار الغذاء والنقل. وإذا تعطلت التجارة في البحر الأحمر فقد تتضرر الصادرات والواردات السودانية بشكل مباشر. أما إذا ارتفعت أسعار الذهب بالتزامن مع ارتفاع النفط، فقد تتدفق عائدات أكبر إلى قطاع التعدين، لكن هذا قد يزيد أيضاً من الصراعات حول السيطرة على المناجم ويعزز الاقتصاد غير الرسمي.
المشكلة الأكبر في كل هذه السيناريوهات هي أن الاقتصاد السوداني يفتقر إلى الاستقرار المؤسسي والقدرة على تحويل الفرص الجيوسياسية إلى مكاسب اقتصادية حقيقية. فالدول التي تستفيد من التحولات العالمية هي تلك التي تمتلك بنية تحتية قوية ومؤسسات مالية مستقرة وسياسات واضحة لإدارة الموارد. أما في حالة السودان، فإن الحرب الداخلية وضعف الدولة قد يحولان حتى الفرص الكبيرة إلى مصادر جديدة للصراع والتهريب.
في النهاية، يمكن القول إن ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب الأمريكية-الإيرانية يحمل تأثيراً مزدوجاً على السودان. فهو من جهة يزيد الضغوط على الاقتصاد بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، لكنه من جهة أخرى قد يعزز قيمة الذهب الذي يمثل شريان الاقتصاد السوداني. وإذا تحولت صادرات الخليج نحو البحر الأحمر بشكل أكبر، فقد يجد السودان نفسه في قلب خريطة طاقة جديدة في المنطقة. غير أن الاستفادة من هذه اللحظة التاريخية لن تعتمد على الجغرافيا وحدها، بل على قدرة السودان على بناء اقتصاد منظم يربط بين الذهب والموانئ والتجارة الإقليمية في رؤية استراتيجية طويلة المدى.

