تغير السلوك الغذائي في السودان … رؤية استراتيجية للأمن الغذائي والازدهار الاقتصادي
بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني
في ظل التحديات العالمية المتزايدة في سلاسل الإمداد عامة و خاصة الغذائي وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتفاقم أزمة نقص الغذاء عالميا يظهر السؤال الملح عن مدى قدرة المجتمعات على إعادة تشكيل أنماطها الاستهلاكية لتتوافق مع متطلبات الأمن الغذائي و الاستدامة الاقتصادية حيث يعد السودان بموارده الزراعية والحيوانية الهائلة نموذجا فريدا للتناقض بين وفرة الإمكانيات ومعضلة سوء الاستهلاك وهدر الغذاء. ونستهدف بهذه المقالة تقديم رؤية لضرورة تحول السلوك الغذائي في السودان نحو ثقافة الاستهلاك المحدود بوصفه خيارا استراتيجيا يعزز الازدهار الاقتصادي ويحقق الأمن الغذائي في ظل التحولات العالمية الراهنة.
أولا: واقع السلوك الغذائي السوداني بين الإرث الثقافي والإهدار الاقتصادي:
يمثل نمط الاستهلاك الغذائي في السودان امتدادا لموروث ثقافي واجتماعي ترسخ على مدى عقود حيث ارتبطت الكرم بالمبالغة في الكميات وأصبحت الولائم التقليدية نموذجا للإسراع في تقديم كميات تفوق الحاجة الفعلية، حيث تشير الدراسات الميدانية إلى أن نسبة هدر الغذاء في المناسبات الاجتماعية بالسودان قد تصل إلى 30% من إجمالي الطعام المعد وهو رقم ضخم إذا ما قورن بالمعدلات العالمية المقبولة التي لا تتجاوز 10% في الدول ذات الأنظمة الاستهلاكية الرشيدة، أما على مستوى الاستهلاك اليومي فيسود ثقافة الاعتماد المفرط على اللحوم الحمراء والقمح المستورد مما يشكل عبئا مزدوجا على الميزان التجاري والموارد المحلية، فالسودان رغم كونه من أكبر الدول المنتجة للماشية في أفريقيا يستورد سنويا كميات كبيرة من اللحوم المصنعة كما أنه من أكبر مستوردي القمح في المنطقة فيما تظل محاصيله الاستراتيجية كالذرة الرفيعة والدخن مهمشة في أنماط الاستهلاك الرسمية.
ثانيا: التحول من اللحوم الحمراء إلى البيضاء … مدخل اقتصادي وصحي:
يعد التحول التدريجي من استهلاك اللحوم الحمراء إلى البروتينات البيضاء (الدواجن والأسماك) أحد الركائز الأساسية لإعادة هيكلة السلوك الغذائي في السودان من الناحية الاقتصادية حيث تتميز تربية الدواجن بقصر دورة الإنتاج (35-45 يوما) مقارنة بتربية الماشية التي قد تستغرق سنوات، مما يعني دورانا أسرع لرأس المال وكفاءة أعلى في استخدام الموارد العلفية والمائية، و تشير البيانات الاقتصادية إلى أن إنتاج كيلوجرام واحد من بروتين الدواجن يستهلك حوالي 1.5 كيلوجرام من العلف، مقابل 6-8 كيلوجرامات لإنتاج كيلوجرام من اللحم البقري كما أن نسبة المياه للحوم البيضاء تقل بنسبة 50% عن نظيراتها الحمراء هذا يعني أن التحول الوطني نحو البروتينات البيضاء يمكن أن يساهم في تخفيض فاتورة استيراد الأعلاف بنسبة تصل إلى 40% خلال عقد من الزمن إضافة إلى تخفيف الضغط على المراعي الطبيعية والموارد المائية.
أما من الناحية الصحية فإن تراجع معدلات استهلاك الدهون المشبعة المرتبطة باللحوم الحمراء يسهم في خفض انتشار الأمراض غير السارية كأمراض القلب والضغط والسكري مما يخفف العبء على النظام الصحي الوطني الذي ينفق سنويا مبالغ طائلة على علاج هذه الأمراض.
ثالثا: الذرة الرفيعة والدخن … استعادة الريادة للبدائل المحلية:
تمثل الذرة الرفيعة (العيش) والدخن المحصولين الاستراتيجيين الأكثر توافقا مع الظروف المناخية السودانية حيث تتحمل الجفاف وترتفع كفاءتها الإنتاجية في الأراضي شبه الجافة التي تشكل معظم الأراضي الزراعية في السودان غير أن الأنماط الاستهلاكية الحالية تقلص دور هذين المحصولين لصالح القمح المستورد الذي يستنزف سنويا أكثر من مليار دولار من الاحتياطي الأجنبي، وتكمن الفرصة الحقيقية في ابتكار منتجات غذائية جديدة من الذرة الرفيعة والدخن تتوافق مع الأذواق المعاصرة وتلبي احتياجات المستهلكين، فبالإمكان تطوير صناعة رغيف الخبز من الذرة الرفيعة المدعمة بنسبة تصل إلى 50% وهو ما تم تجريبه في دول كالهند وإثيوبيا بنجاح ملحوظ. كما يمكن إنتاج المعكرونة والمخبوزات الحديثة من الدخن، الذي يتميز بقيمته الغذائية العالية وخلوه من الجلوتين، مما يفتح أسواقا تصديرية واعدة في منطقة الخليج وأوروبا، حيث أثبتت التجارب العالمية أن نجاح مثل هذه التحولات الغذائية يرتبط بعاملين أساسيين وهما
– تطوير سلاسل القيمة المضافة للمحاصيل المحلية.
– تغيير ثقافة المستهلك من خلال حملات توعوية مستدامة.
ففي البرازيل مثلا، نجحت برامج وطنية في استبدال جزء كبير من استهلاك القمح المستورد بالذرة المحلية عبر دعم صناعات التحويل وتشجيع المنتجين والمستهلكين في آن واحد.
رابعا: خفض هدر الغذاء كأداة للازدهار الاقتصادي:
لا يمكن الحديث عن تحول السلوك الغذائي دون معالجة قضية هدر الغذاء التي تكبد الاقتصاد السوداني خسائر تقدر بمليارات الجنيهات سنويا يحدث الهدر في مراحل متعددة من سلسلة الإمداد الغذائي ففي الإنتاج بسبب سوء التخزين وضعف البنية التحتية، وفي التوزيع نتيجة ضعف سلاسل التبريد والنقل، وفي الاستهلاك المنزلي والمجتمعي بسبب العادات الاستهلاكية المسرفة، إن تبني ثقافة الاستهلاك المحدود لا يعني التخلي عن القيم الاجتماعية الأصيلة إنما إعادة صياغتها في قوالب أكثر استدامة فالكرم المجتمعي يمكن أن يتحول من المبالغة في الكميات إلى جودة التنوع والاهتمام بالتفاصيل كما أن المؤسسات الدينية والاجتماعية يمكن أن تلعب دورا محوريا في ترسيخ مفاهيم الاعتدال والاقتصاد في الاستهلاك بما يتوافق مع تعاليم الدين الإسلامي التي تحث على عدم الإسراف والتبذير.
من الناحية الاقتصادية الكلية فإن خفض هدر الغذاء بنسبة 20% فقط يمكن أن يساهم في خفض فاتورة استيراد المواد الغذائية بنحو 300-400 مليون دولار سنويا كما يوفر فرص عمل جديدة في مجالات التصنيع الغذائي والتخزين المبرد وإعادة تدوير المخلفات العضوية.
خامسا: نحو برنامج استراتيجي قومي لتغيير السلوك الغذائي:
إن التحول المنشود في السلوك الغذائي السوداني يحتاج إلى رؤية استراتيجية متكاملة تتبناها الدولة وتشارك فيها كافة مؤسسات المجتمع يمكن أن يقوم هذا البرنامج على المحاور التالية:
المحور الأول: السياسات التحفيزية:
– إعادة هيكلة الدعم الغذائي ليشجع استهلاك المنتجات المحلية (الذرة الرفيعة، الدخن، الدواجن) بدلا من السلع المستوردة.
– تقديم حوافز ضريبية للمستثمرين في صناعات تحويل الحبوب المحلية والبروتينات البيضاء.
– فرض رسوم على استيراد المنتجات التي لها بدائل محلية مع توجيه عوائدها لدعم برامج التوعية والتطوير.
المحور الثاني: تطوير سلاسل القيمة:
– إنشاء مراكز متخصصة لتطوير منتجات مبتكرة من الذرة الرفيعة والدخن بالتعاون مع مراكز البحوث الدولية.
– دعم إنشاء مصانع متوسطة وصغيرة لطحن وتصنيع الحبوب المحلية في الولايات المنتجة.
– تطوير أنظمة التخزين والتبريد للحد من الفاقد في مراحل ما بعد الحصاد.
المحور الثالث: التوعية والتثقيف المجتمعي:
– دمج مفاهيم الاستهلاك الرشيد والأمن الغذائي في المناهج التعليمية.
– إطلاق حملات إعلامية وطنية تستهدف تغيير الصورة النمطية المرتبطة بالبدائل المحلية.
– تدريب الأئمة و المؤثرين على تعزيز خطاب الاعتدال في الاستهلاك من المنابر الدينية.
المحور الرابع: البحث العلمي والابتكار:
– إنشاء برنامج وطني للبحوث التطبيقية في مجال تكنولوجيا الأغذية وتطوير منتجات من الحبوب المحلية.
– تشجيع الابتكار في مجال التعبئة والتغليف المناسب لتمديد العمر الافتراضي للمنتجات الغذائية.
– الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في دول مثل الهند (في تطوير منتجات الدخن) وإثيوبيا (في تطوير خبز التيف) والبرازيل (في سياسات الأمن الغذائي).
– إنشاء جائزة سنوية للابتكار لمشاريع الابتكار في المنتجات الزراعية المحلية لتكون بدائل للمنتجات المستوردة.
وفي نهاية المقال يمكننا أن نختم ونقول إننا في زمن تتصاعد فيه المخاطر العالمية على سلاسل الإمداد الغذائي وتتفاقم فيه تداعيات التغير المناخي على الإنتاج الزراعي، يصبح تغيير السلوك الغذائي ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن زيادة الإنتاج نفسه حيث يمتلك السودان من الموارد الطبيعية والبشرية ما يؤهله لتحقيق تحول نوعي في أنماط استهلاكه الغذائي لكن هذا التحول يحتاج إلى إرادة سياسية جادة ورؤية استراتيجية طويلة المدى ومشاركة مجتمعية فاعلة.
إن التحول من الإسراف إلى الاعتدال ومن الاعتماد على المستورد إلى تعزيز المحلي ومن ثقافة الكم إلى ثقافة الجودة والاستدامة، لايعد خيار غذائي إنما هو خيار استراتيجي للازدهار الاقتصادي والأمن الوطني. حين نتمكن من ترسيخ ثقافة الاستهلاك المحدود، وتحويل الذرة الرفيعة والدخن من محصولين تقليديين إلى أساسين لصناعات غذائية حديثة وننجح في خفض هدر الغذاء وتحقيق كفاءة أعلى في استخدام الموارد فإننا لا نكون قد غيرنا فقط ما يضعه السودانيون في موائدهم ونكون قد أسسنا لمرحلة جديدة من الازدهار الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، المسألة ليست في أن نأكل أقل، إنما في أن نأكل أفضل وأذكى وأكثر استدامة. وهي مسألة تحتاج إلى وعي جديد وسياسات داعمة وإرادة جماعية تدرك أن الغذاء هو ثروة وطنية وأساس للسيادة والأمن القومي.

