معاناة الواقع والثقة في المؤسسات
كتبت / إيثار عبدالحميد
في أزمنة الاضطراب لا تكون الحقيقة غائبة بالكامل لكنها تصبح موزعة بين الصمت والتأويل وبين ما يقال وما لا يقال
وفي السودان اليوم يقف المواطن في مساحة معقدة تجمع بين الإيمان بما يجب أن يكون والتساؤل عما يتشكل في مسار الأحداث
ما جرى في الكرمك لا يمكن قراءته كحدث منفصل بل كجزء من سياق ممتد يعيد طرح الأسئلة القديمة بصيغة أكثر إلحاحا
أسئلة لا تنطلق من موقع التشكيك بل من عمق الثقة التي تجعل السؤال حقا لا خروجا عن الصف
الثقة في القوات المسلحة السودانية ليست شعارا يرفع في أوقات الشدة بل رصيد تاريخي تشكل عبر محطات طويلة من التضحيات
وهي ثقة لا تلغي الحاجة للفهم بل تعززها لأن ما يبنى على الوعي أكثر صلابة مما يبنى على التسليم المطلق
بين هذه الثقة وتلك الأسئلة يقف المواطن متأملا مسار الأحداث متسائلا عن أسباب بطء التقدم وعن تعقيدات المشهد التي قد لا تبدو واضحة من الخارج
ليس بحثا عن إجابات جاهزة بل رغبة في الاطمئنان إلى أن ما يحدث يسير نحو غاية مفهومة حتى وإن تأخر الوصول إليها
في الجانب الآخر من الصورة لا تبدو المعاناة مجرد أرقام أو عناوين عابرة
بل وجوه تعرف الانتظار جيدا
أسر نزحت من أماكنها لا بحثا عن حياة أفضل بل هربا من واقع لم يعد يحتمل
أطفال يعيدون تشكيل ذاكرتهم في بيئات مؤقتة وقلوب تحاول التكيف مع فكرة أن الاستقرار قد يصبح حالة مؤجلة
النزوح ليس انتقالا جغرافيا فحسب بل اقتلاع هادئ لكل ما كان يمنح الحياة معناها اليومي
هو اختبار قاس للقدرة على الإحتمال حيث يتحول الزمن إلى حالة ترقب ممتدة لا تعرف متى تنتهي
وفي هذا الترقب تتشكل طبقة جديدة من الألم أقل صخبا لكنها أكثر عمقا
لم تنته معاناة المواطن عند حدود النزوح ولا توقفت عند لحظة العودة
بل تبدأ مرحلة أخرى أكثر تعقيدا حين يجد نفسه في مواجهة واقع مثقل بأعباء جديدة
بيوت غاب عنها أهلها طويلا فعادت إليها مثقلة بآثار الغياب واحتياجات الترميم وإعادة الحياة
وفي مقابل ذلك يقف المواطن أمام منظومة من الرسوم والجبايات التي لا تراعي هشاشة اللحظة ولا حجم الفقد الذي مر به
الكهرباء التي يفترض أن تكون بداية الاستقرار تتحول إلى عبء إضافي عبر تكاليف توصيل مرتفعة لا تتناسب مع واقع منهك
والخدمات التي يفترض أن تعين على التعافي تصبح اختبارا جديدا لقدرة الناس على الاحتمال
ليجد المواطن نفسه عالقا بين رغبة صادقة في استعادة حياته وبين واقع اقتصادي يضغط عليه في كل اتجاه
في هذه المساحة لا يكون الألم صاخبا كما في لحظات الخطر
لكنه أكثر امتدادا وتأثيرا
حيث يتحول الاستقرار إلى معركة يومية صامتة
ويصبح السؤال ليس فقط كيف ننجو
بل كيف نعيش بعد النجاة
المواطن هنا لا يطلب المستحيل
لا يبحث عن صورة مثالية للواقع بل عن وضوح نسبي يخفف من ثقل الانتظار
عن إشارات تطمئنه أن الطريق رغم تعقيده ليس بلا اتجاه
السودان اليوم يقف بين قوتين متوازيتين
قوة الصمود التي يحملها شعبه في تفاصيله اليومية
وقوة الأمل التي تستند إلى مؤسساته وفي مقدمتها القوات المسلحة السودانية
وبين هاتين القوتين تتشكل لحظة فارقة
ليست فقط في مسار الأحداث بل في طبيعة العلاقة بين الثقة والسؤال
حيث لا يكون التساؤل نقيضا للانتماء بل أحد أعمق تعبيراته
وفي نهاية هذا المشهد المعقد يظل الأمل قائما
ليس لأنه سهل أو قريب
بل لأنه الخيار الوحيد الذي لا يملك الناس ترف التخلي عنه .

