السودان وأوكرانيا
مقاربات ومقارنات واختلاف المعايير
بقلم: منير معاوية علي
باحث في العلاقات الدولية
من يتابع الحرب الروسية الأوكرانية ثم ينظر إلى ما يجري في السودان يلاحظ منذ اللحظة الأولى أن العالم يتعامل بمعايير مختلفة مع الأزمات الإنسانية والسياسية، رغم أن آثار الحرب في البلدين متقاربة من حيث الدمار والنزوح والمعاناة.
في أوكرانيا اندلعت الحرب في فبراير 2022 بين روسيا، إحدى أكبر القوى العسكرية في العالم، وبين دولة أقل منها في الإمكانيات العسكرية والاقتصادية. ورغم الفارق الهائل في القوة، استطاعت أوكرانيا أن تفرض حضورها في الميدان عبر التنظيم والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة. تقارير غربية عديدة تحدثت عن أن أوكرانيا أصبحت خلال سنوات الحرب من أكبر مطوري تقنيات الدرونز في أوروبا، حتى أن بعض الشركات الأوكرانية بدأت فعلياً في تصدير هذه التقنيات لدول أخرى.
و الأهم من ذلك كان حجم الدعم الدولي. الولايات المتحدة وحدها قدمت مساعدات عسكرية واقتصادية تجاوزت 170 مليار دولار بحسب بيانات الكونغرس الأمريكي ومؤسسات أوروبية متخصصة. كما استقبل الاتحاد الأوروبي ملايين اللاجئين الأوكرانيين، وتشير إحصائيات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى أن عدد من غادروا أوكرانيا تجاوز 6 ملايين شخص، تم منح أعداد كبيرة منهم حق الإقامة والعمل والتعليم والعلاج بصورة استثنائية وسريعة. بعض الدول الأوروبية أنشأت بالفعل برامج تأشيرات خاصة وتسهيلات غير مسبوقة للأوكرانيين.
أما السودان فقد دخل الحرب في أبريل 2023، ووجد السودانيون أنفسهم فجأة أمام واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم المعاصر. الأمم المتحدة وصفت الأزمة السودانية بأنها من أسوأ أزمات النزوح والجوع الحالية على مستوى العالم. وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أعداد النازحين واللاجئين السودانيين تجاوزت 14 مليون شخص بين نازح داخل البلاد ولاجئ خارجها، وهو رقم يفوق سكان دول كاملة، وبحسب تقارير غير رسمية فإن الأعداد تتجاوز 20 مليون بين نازح ولاجئ.
ومع ذلك، فإن حجم التفاعل الدولي مع المأساة السودانية ظل محدوداً مقارنة بما حدث في أوكرانيا. لم نشهد برامج هجرة استثنائية واسعة للسودانيين، ولم تُفتح الحدود الأوروبية والأمريكية والكندية بالطريقة نفسها، رغم أن المدني السوداني يواجه الموت والنزوح وفقدان الخدمات الأساسية بالقدر ذاته وربما بصورة أشد قسوة في بعض المناطق.
في الجانب العسكري أيضاً، أظهرت الحرب أن الجيش السوداني يمتلك خبرات تراكمية في مجال الصناعات الدفاعية. وخلال فترة الحرب برزت مؤشرات واضحة على تطوير استخدام المسيّرات والتقنيات العسكرية محلياً، في محاولة لتعويض نقص الإمكانيات ومواجهة التحديات الأمنية المتزايدة. وكما دفعت الحرب أوكرانيا نحو الابتكار، دفعت الحرب السودانيين كذلك للاعتماد بصورة أكبر على القدرات الذاتية.
المقارنة هنا لا تهدف إلى المفاضلة بين الشعوب أو التقليل من مأساة طرف على حساب آخر، وإنما تكشف بوضوح أن العالم لا يتعامل دائماً بالقيم الإنسانية ذاتها مع الجميع. فحين يكون الضحايا أوروبيين تتحرك الآلة السياسية والإعلامية والإنسانية بسرعة كبيرة، بينما يظل الإنسان في أفريقيا والعالم العربي في كثير من الأحيان أقل حضوراً في المشهد الدولي، رغم أن الدم واحد والمعاناة واحدة.
السودانيون اليوم لا يحتاجون فقط إلى بيانات القلق والإدانة، بل يحتاجون إلى موقف إنساني حقيقي يراعي حجم الكارثة التي يعيشها شعب وجد نفسه فجأة بين الحرب والنزوح والجوع والانهيار الاقتصادي، في وقت لا يزال فيه العالم ينظر إلى المأساة السودانية بقدر كبير من البرود السياسي والإنساني.

