طه سليمان وطمس الذائقة الجمالية السودانية
بقلم: محمد يوسف العركي
قدّمت الساحة الثقافية السودانية مواقف مشهودة خلال حرب الكرامة، وكان لأهل الثقافة دورٌ مهم في معركة السودان الوجودية، بل وارتقى منهم شهداء كرام ارتوت بدمائهم أرض السودان الطاهرة.
إلا أنّ المشهد، من زاوية أخرى، بدا مغايراً ومؤلماً؛ إذ برز دخيلون على المجتمع وكأنهم في وادٍ آخر، لا شأن لهم بما يدور ويُحاك ضد هذا الوطن. وتكفي جولة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي للوقوف على مظاهر تندى لها الجباه.
غير أن ما أثار حيرتي، في بادئ الأمر، هو حالة التناقض التي بدت على بعض الأفراد؛ فكيف لشخص ظل مرابطًا في منطقته طوال فترة الحرب، داعمًا لأهله، ثابتًا في موقعه، أن ينقض كل ذلك البناء؟ ماذا جرى له؟!
جاء الحفل الأخير للفنان طه سليمان ليشكّل صدمة للكثيرين؛ فقد اطّلعتُ على جزء مما تداولته منصات التواصل الاجتماعي من مشاهد لذلك الحفل، وبصراحة، فإن ما قُدّم لا يشبه الفن السوداني الأصيل بأي حال من الأحوال.
إذا كان للفنان طه سليمان مشروعه الفني الخاص، فهذا حق مشروع لا يُجادل فيه أحد. لكن الانزلاق بالأداء إلى مستويات من التعري والسفور والابتذال، هو أمر لا يمكن تبريره أو التغاضي عنه تحت أي ذريعة.
إنّ الخشية الكبرى تكمن في احتمال وجود جهات ما تسوّق — بقصد أو بغير قصد — لمثل هذه الأنماط، بما يسهم في إفساد الذائقة العامة، وطمس الهوية الجمالية السودانية، خاصة لدى فئة الشباب، عبر تقديم نماذج قائمة على الإثارة والانفلات بدلًا من البناء الفني الرصين.
من هنا، فإن رسالتي إلى جمهور النقاد والمتابعين هي: لا تقفوا عند حدود الفرد، بل حاولوا تفكيك السياقات الأوسع، والبحث في الجهات أو المنظومات التي قد تدفع بالمشهد الفني—تدريجيًا—نحو مسارات مرسومة بعناية، تُغلّف بالسعي إلى “العالمية” و”المواكبة”، بينما تحمل في طيّاتها ملامح تغريبٍ وانسلاخٍ عن الجذور.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

