أهو كلام والسلام
العلاقات السودان المصرية… الوعد والبشارة
فؤاد قبانى
تمر العلاقات السودانية المصرية اليوم بمنعطف دقيق، فهناك من يسعى إلى زرع الأشواك وإحداث القطيعة بين البلدين الشقيقين، ولكن حكمة القيادتين، وروابط الدم والمصاهرة، ووحدة التاريخ والمصير، كلها عوامل أقوى من كل محاولات الوقيعة.
عندما دقت طبول الحرب في السودان، بدا في ظاهرها أنها صراع على السلطة، لكن حقيقتها كانت أعمق من ذلك، إذ استهدفت إنهاك الدولة السودانية، والسيطرة على ثرواتها، وحرمان شعبها من خيرات وطنه.
ومع اشتداد الحرب، اتجه مئات الآلاف من السودانيين شمالًا نحو مصر، فوجدوا الأبواب مفتوحة والقلوب قبلها مفتوحة. لم تقل الحكومة المصرية ولا المواطن المصري: “لا”، بل استقبلوا أشقاءهم بما استطاعوا من كرم، وتقاسموا معهم السكن والخبز ومقومات الحياة. وستظل هذه المواقف الإنسانية صفحة مضيئة في تاريخ العلاقات بين الشعبين.
أما الأصوات التي تحاول الإساءة إلى هذه العلاقة عبر بعض وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي، فهي أصوات نشاز لا تعبر عن وجدان الشعبين، ولا عن عمق الروابط التي صنعتها الجغرافيا والتاريخ والمصاهرة والجوار.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد الحفاظ على العلاقات، وإنما الانتقال بها إلى مرحلة الشراكة الحقيقية. فحركة التجارة بين البلدين يجب أن تصبح أكثر يسرًا وانسيابًا، لأن السودان يمثل بوابة طبيعية إلى العمق الأفريقي، كما تمثل مصر بوابة مهمة إلى الأسواق العربية والمتوسطية.
وبحساب بسيط، نجد أن السودان يرتبط بحدود مع عدد كبير من الدول العربية والأفريقية، وتتشابك معه القبائل والمصالح والأسواق، إلا أن كثيرًا من عوائد هذا التبادل لا تنعكس على اقتصاد الدولة، بل تذهب إلى الوسطاء والمهربين. أما مع مصر، فهناك ميزان تجاري واضح يمكن تطويره وتعظيم منافعه للطرفين، مع تشديد الرقابة للحد من التهريب والتجاوزات التي تضر باقتصاد البلدين.
وفي هذا الإطار، فإن ما قامت به الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس بالتعاون مع نظيرتها المصرية يُعد خطوة مهمة نحو إعادة الإعمار وتحقيق التكامل الاقتصادي، لأن توحيد المواصفات والمعايير يختصر الوقت والجهد، ويشجع الاستثمار، ويزيد من حركة التجارة.
كما أننا، بصراحة، قصرنا كقطاعين عام وخاص في جذب المستثمر المصري إلى السودان. ولو قارنا بين حجم الاستثمارات السودانية في مصر وحجم الاستثمارات المصرية في السودان، لوجدنا أن الميزان لا يزال بحاجة إلى كثير من العمل. ولذلك فإن المسؤولية مشتركة، وتبدأ بتوفير بيئة استثمارية جاذبة وآمنة.
إن المستقبل ينبغي أن يقوم على مشروعات تكاملية في الزراعة والصناعة والتعدين والثروة الحيوانية والطاقة، وأن تتحول المناطق الحدودية إلى مراكز إنتاج وتنمية، لا إلى معابر للتهريب والأنشطة غير المنظمة.
كما أتمنى أن يُعاد إحياء طريق الأربعين، ذلك الطريق التاريخي الذي حمل تجارة الأجداد وربط بين شعبي وادي النيل، وأن نستفيد من الخبرات المصرية الكبيرة في إنشاء الطرق والجسور والبنية التحتية، بما يخدم مصالح البلدين.
إن السودان ومصر لا يحتاجان إلى شعارات جديدة، بل إلى إرادة سياسية واقتصادية تُحوّل الإمكانات الهائلة إلى واقع ملموس. ولو تحقق التكامل الحقيقي بين البلدين، لأصبحا قوة اقتصادية مؤثرة في أفريقيا والمنطقة، ولأصبح الوصول إلى مصاف الاقتصادات الكبرى هدفًا مشروعًا يمكن العمل من أجله.
فلنترك الخلافات العابرة، ولنُعْلِ مصلحة الشعبين، فالتاريخ يجمعنا، والجغرافيا تجمعنا، والمستقبل أيضًا يجب أن يجمعنا.
فاستووا… يرحمكم الله.

