عسجد” ومحول المدفوعات: بين الحقائق التقنية والهواجس المشروعة
الدوحة حسن ابوعرفات
أثار قرار بنك السودان المركزي بمنح أول رخصة لتشغيل محول للمعاملات المالية ومنصة للمدفوعات الرقمية لشركة “عسجد” نقاشًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية والمصرفية والإعلامية. وفي هذا السياق، قدم د. ياسر يوسف إبراهيم مقالًا حاول من خلاله تبسيط المفاهيم الفنية المتعلقة بمحولات المدفوعات، وشرح النماذج الدولية لإدارة هذه البنية التحتية، مع الدفاع عن أهمية الشفافية والحوكمة في تنفيذ هذه الخطوة.
أولًا: نقاط القوة في المقال
نجح الكاتب في تبسيط مفهوم “محول المدفوعات”، موضحًا أنه ليس بنكًا ولا يحتفظ بأموال العملاء، وإنما يمثل بنية تقنية تنظم عمليات الدفع والتحويل بين المؤسسات المالية.
كما استعرض ثلاثة نماذج دولية لإدارة أنظمة المدفوعات:
* الإدارة المباشرة بواسطة البنك المركزي.
* الإدارة عبر شركة وطنية مملوكة للمصارف.
* الإدارة بواسطة شركات خاصة تعمل تحت إشراف البنك المركزي.
وهذا العرض منح القارئ خلفية تقنية تساعد على فهم طبيعة القرار بعيدًا عن الانطباعات العامة.
كذلك ركز المقال على أهمية أن يحتفظ بنك السودان المركزي بسلطات التنظيم، والرقابة، وإصدار التراخيص، والتسوية النهائية، باعتبارها الضامن الأساسي للسيادة المالية.
ثانيًا: الملاحظات النقدية
رغم القيمة العلمية للمقال، إلا أن هناك عدة جوانب تستحق نقاشًا أعمق.
أولًا، اعتمد المقال على مقارنة السودان بتجارب دول تمتلك مؤسسات مستقرة وتشريعات متطورة، بينما يواجه السودان أوضاعًا استثنائية نتيجة الحرب، وضعف البنية المؤسسية، والمخاطر الأمنية، مما يجعل نقل التجارب الدولية يحتاج إلى مراعاة اختلاف السياق.
ثانيًا، لم يتناول المقال بصورة كافية مفهوم “السيادة الرقمية”. فامتلاك البنك المركزي سلطة الرقابة القانونية لا يكفي وحده إذا كانت البنية التقنية أو البيانات أو مفاتيح التشفير خارج السيطرة الكاملة للدولة.
ثالثًا، لم يقدم المقال إجابات واضحة على عدد من الأسئلة التي تشغل الرأي العام، ومنها:
* أين تُحفظ بيانات المعاملات المالية؟
* من يملك مفاتيح التشفير؟
* هل توجد مراكز بيانات احتياطية داخل السودان؟
* ما مستقبل شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)؟
* هل ستُمنح تراخيص مماثلة لشركات أخرى لضمان المنافسة؟
ثالثًا: المخاطر المحتملة
أي نظام وطني للمدفوعات يمثل جزءًا من الأمن الاقتصادي للدولة، ولذلك فإن المخاطر لا تقتصر على الأعطال الفنية، وإنما تشمل أيضًا:
* الهجمات السيبرانية.
* احتكار البنية التحتية.
* تعطل الخدمات في حالات الطوارئ.
* فقدان السيطرة على البيانات الحساسة.
* الاعتماد على مشغل واحد دون بدائل تشغيلية.
ولهذا فإن أفضل الممارسات الدولية تشترط وجود خطط لاستمرارية الأعمال، وتدقيقات أمنية دورية، ومراكز تشغيل احتياطية، وإجراءات واضحة لإدارة الأزمات.
رابعًا: ما الذي يحتاجه الرأي العام؟
القضية لا تتعلق باسم الشركة المشغلة، وإنما بمنظومة الحوكمة التي تحكم عملها.
ومن المهم أن يوضح بنك السودان المركزي للرأي العام
* معايير منح التراخيص.
* متطلبات الأمن السيبراني.
* آليات حماية البيانات.
* خطط التعافي من الكوارث.
* أسس المنافسة بين المشغلين.
* حدود مسؤوليات كل جهة داخل المنظومة.
إن نشر هذه المعلومات يعزز الثقة في النظام المالي أكثر من أي حملات إعلامية.
الخلاصة
يمثل مقال د. ياسر يوسف إبراهيم مساهمة مهمة في توضيح الجوانب الفنية لمحولات المدفوعات، ويؤكد أن مشاركة القطاع الخاص في تشغيل بعض مكونات منظومة المدفوعات ليست أمرًا غير مسبوق عالميًا.
غير أن نجاح هذه التجربة في السودان لن يتوقف على الجوانب التقنية وحدها، بل على مدى توافر الشفافية، والحوكمة، والرقابة المستقلة، والسيادة الكاملة على البيانات والبنية التحتية، وضمان المنافسة العادلة.
وعليه، فإن السؤال الأساسي ليس: “هل نحن مع عسجد أم ضدها؟”، وإنما: “هل تم تصميم منظومة المدفوعات الوطنية بما يحفظ سيادة الدولة، ويعزز ثقة المواطنين، ويضمن استدامة الاقتصاد الرقمي في السودان؟”
الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد نجاح التجربة أو إخفاقها، بصرف النظر عن اسم الشركة المشغلة

