لم تبكه قطر وحدها… بل بكتْه الإنسانية ببقاع الأرض
في صباح الأحد 12 يوليو 2026، خيّم الحزن على دولة قطر بعد إعلان الديوان الأميري وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله. وما إن انتشر الخبر حتى ارتفعت الأكف بالدعاء، وانهمرت الدموع هنا وهناك إذ لم يكن الراحل قائدًا لدولة فحسب، بل كان شخصية استثنائية تركت بصماتها في وجدان الملايين عبر العالم.
لم تبكِ الدوحة وحدها فقيدها، بل بكته عواصم ومدن في الشرق والغرب، واستعاد كثيرون مواقفه الإنسانية التي امتدت إلى غزة، والبوسنة والهرسك، وسوريا، والسودان، وافغانستان ولبنان وغيرها من المناطق التي أنهكتها الحروب والأزمات. فقد لامست مبادراته آلام الأيتام واللاجئين والمحرومين من التعليم والرعاية الصحية والغذاء، والامن حتى غدت أياديه البيضاء رمزًا للعطاء الذي تجاوز الحدود والجغرافيا.
برحيله، فقدت الأمة العربية والإسلامية أحد أبرز قادتها الذين اقترنت أسماؤهم بالبناء والتنمية والرؤية المستقبلية والمصالحات الاجتماعية فقد آمن بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الاستثمار في التعليم والصحة هو الطريق الأقصر لبناء الأمم. لذلك شهدت قطر في عهده نهضة شاملة شملت مختلف القطاعات، وأصبحت نموذجًا تنمويًا يحتذى به.
كما أحدث نقلة نوعية في المشهد الإعلامي بإطلاق شبكة الجزيرة عام 1996، لتصبح واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيرًا في العالم، وأسهم في ترسيخ مفهوم الإعلام المهني المستقل، وفتح آفاق جديدة للكلمة الحرة والحوار المسؤول.
ولم يكن التعليم أقل أهمية في مشروعه الوطني، إذ شهدت قطر في عهده تأسيس المدينة التعليمية التي استقطبت نخبة من أعرق الجامعات العالمية، لتصبح الدوحة مركزًا إقليميًا للمعرفة والبحث العلمي، وتجسيدًا لإيمان راسخ بأن نهضة الأمم تبدأ من المدرسة والجامعة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، قاد الأمير الوالد مشروعًا استراتيجيًا لتطوير صناعة الغاز الطبيعي، فانتقلت قطر إلى مصاف أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، وترسخت مكانتها كقوة اقتصادية مؤثرة، مستندة إلى رؤية بعيدة المدى في إدارة الموارد وتنويع الاقتصاد.
أما في السياسة الخارجية، فقد انتهج سياسة متوازنة وفاعلة جعلت من قطر وسيطًا موثوقًا في العديد من النزاعات الإقليمية والدولية، وأسهمت جهودها في تقريب وجهات النظر في ملفات عدة، من بينها لبنان والسودان وأفغانستان، حتى أصبحت الدبلوماسية القطرية إحدى العلامات الفارقة في المنطقة.
ولم تكن تلك الإنجازات الرسمية وحدها ما يميز الأمير الوالد، بل إن حضوره الإنساني كان ملموسا في تفاصيل الحياة اليومية. ولا تزال ذاكرتي تحتفظ بصورة جولاته بين أجنحة الأسر المنتجة في المعرض الذي نظمه آنذاك مركز الإنماء الاجتماعي في الدوحة خلال تسعينيات القرن الماضي، حيث شاركت بجناح حمل عنوان “تدوير المعرفة”. كان يتوقف عند كل جناح باهتمام، ويستمع للمشاركين، ويناقشهم ويمنحهم من كلماته وتشجيعه ما يبث الحماس ويضاعف الثقة، في مشهد يعكس قربه من الناس وإيمانه بقدراتهم.
وُلد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الأول من يناير 1952، وتلقى تعليمه في قطر قبل أن يتخرج من الأكاديمية العسكرية الملكية في ساندهيرست بالمملكة المتحدة عام 1971. تدرج في القوات المسلحة حتى أصبح قائدًا عامًا لها، وعُيّن وليًا للعهد عام 1977، وترأس المجلس الأعلى للتخطيط، وأسهم مبكرًا في رسم السياسات الاقتصادية، ولا سيما في تطوير قطاع النفط والغاز.
ومع توليه مقاليد الحكم في 27 يونيو 1995، بدأت مرحلة تاريخية في مسيرة الدولة، شهدت تحديثًا شاملًا لمؤسساتها، وتعزيزًا لدورها الإقليمي والدولي، إلى أن سلّم الراية إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة عكست رسوخ مؤسسات الدولة واستقرارها.
لقد كان الشيخ حمد قائدًا استثنائيًا، جمع بين الرؤية والشجاعة والإنسانية، وأرسى دعائم دولة حديثة أصبحت نموذجًا في التنمية والاقتصاد والدبلوماسية والتعليم والإعلام. أما إرثه الإنساني، فقد بقي حاضرًا في المدارس والمستشفيات والمشروعات الخيرية التي امتدت لعشرات الدول، وفي الأمل الذي زرعه في نفوس ملايين المحتاجين ولا ننسي اهتمامه بحفظ الارث والتراث ولعل سوق واقف انموذج للمساته الفنية وعشقة للمحافظة علي ارث الاولين ..
العزاء اليوم لا يقتصر على قطر، فالأوطان الكبيرة تنجب رجالًا كبارًا، والرجال الكبار لا يرحلون من ذاكرة الشعوب. لذلك، لم تبكِ قطر وحدها الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بل بكتْه الإنسانية كلها، وسيبقى اسمه حاضرًا في سجل القادة الذين صنعوا الفارق، وتركوا للأجيال إرثًا من البناء والعطاء والوفاء العزاء متصل لرفيقة دربة سمو الشيخة موزه بنت ناصر وال بيته الكرام .
عواطف عبداللطيف
Awatifdersr1@gmail.com

