دموع الجنرال الأزرق… حين انتصر القلب على المسافة
بقلم: محمد عثمان الرضي
✦ ثمة لحظات تعجز اللغة عن احتوائها، ويصبح الدمع أبلغ من البيان، لأنه يترجم ما تعجز عنه الحروف. ومن تلك اللحظات ما شهدته مدينة كسلا وهي تفتح أبواب مستشفى القلب، حيث غلب التأثر والي الولاية اللواء معاش الصادق الأزرق، فانحدرت دموعه في مشهد لم يكن استعراضاً للعاطفة، وإنما شهادة صادقة على ميلاد حلم طال انتظاره.
✦ فالرجال لا يبكون عند البدايات، وإنما تفيض أعينهم حين يرون ثمار السنين وقد أينعت، وحين يتحول المستحيل إلى حقيقة تنبض بالحياة.
✦ لم يكن افتتاح مستشفى القلب احتفالاً بمبنى جديد، بل كان احتفاءً بانتصار الإرادة على العجز، والأمل على اليأس، والحياة على قسوة الجغرافيا.
✦ لقد ظل مريض القلب في شرق السودان يحمل وجعين؛ وجع المرض، ووجع الرحلة الطويلة بحثاً عن العلاج.
✦ وكانت مروي هي المحطة التي تشد إليها الرحال، بينما كانت عقارب الساعة تركض في سباق لا يرحم مع نبضات قلوب أنهكها المرض.
✦ وكم من أسرة كانت تغادر كسلا وهي تحمل الأمل، ثم تعود تحمل الفقد، لأن بعض المرضى لم يمهلهم القدر حتى يبلغوا غرفة العلاج.
✦ لذلك لم يكن هذا المشروع ترفاً تنموياً، ولا إنجازاً يمكن وضعه في خانة الأرقام والإحصاءات، بل كان ضرورة إنسانية تمليها مسؤولية الدولة وحق المواطن في العلاج الكريم.
✦ وقد سنحت لي فرصة الوقوف على هذا المشروع وهو لا يزال في طور التأسيس، حين اصطحبني إليه الراحل المقيم الدكتور لطفي عبده، مساعد أمين عام حكومة ولاية كسلا آنذاك.
✦ كان الرجل يتحدث عن المشروع بعين الواثق، وكأنه يرى المستقبل رأي العين، مؤمناً بأن الأحلام الكبيرة تبدأ بفكرة، ثم تكبر بإيمان أصحابها.
✦ رحم الله الدكتور لطفي عبده، فقد كان من أولئك الرجال الذين يغرسون الأشجار وهم يعلمون أن الظل سيستمتع به آخرون.
✦ وهناك التقيت باستشاري أمراض القلب الدكتور السموأل، الذي فرضت عليه ظروف الحرب أن يستقر بمدينة كسلا، لكنه حوّل محنة النزوح إلى رسالة عطاء، وجعل من علمه جسراً تعبر عليه آمال المرضى.
✦ تحدث الطبيب بلغة العالم، وبوجدان الإنسان، فرسم أمامي صورة لمعاناة المرضى، وحجم الحاجة إلى هذا المركز، فخرجت وأنا أكثر يقيناً بأن هذا المشروع ليس خياراً، وإنما واجب لا يحتمل التأجيل.
✦ ومنذ تلك الزيارة ظللت مؤمناً بأن الكلمة مسؤولة، وأن واجب الصحافة لا يقتصر على النقد، وإنما يمتد إلى مساندة كل مشروع يخفف معاناة الناس ويصون كرامتهم.
✦ واليوم، وقد أصبح الحلم واقعاً، يحق لكسلا أن ترفع رأسها فخراً بهذا الصرح الذي سيمنح الحياة فرصة جديدة لآلاف المرضى.
✦ والأجمل في هذه التجربة أنها لم تكن صناعة جهة واحدة، بل كانت ثمرة تلاحم مجتمع بأكمله حول هدف نبيل.
✦ لقد فتح أهل كسلا قلوبهم قبل أيديهم، وأسهموا بسخاء في تشييد هذا المشروع، حتى أصبح العون الذاتي والجهد الشعبي عنواناً بارزاً في مسيرته.
✦ وما أعظم الشعوب حين تدرك أن بناء المستشفيات لا يقل قداسة عن بناء المدارس، وأن إنقاذ إنسان واحد يساوي عند الضمير الحي عمراً بأكمله.
✦ لقد أثبت مجتمع كسلا أن التكافل ليس شعاراً يرفع، وإنما ثقافة راسخة تتجلى في ساعة الحاجة.
✦ كما أثبتت قيادة الولاية أن الإدارة الناجحة هي التي تحسن مخاطبة وجدان المجتمع، وتحويل طاقاته إلى قوة بناء وإنجاز.
✦ ويحسب للواء معاش الصادق الأزرق أنه تبنى هذا المشروع، وحرص على أن يجد الدعم اللازم حتى يرى النور، ضمن جهود أوسع لتعزيز الخدمات الأساسية بالولاية.
✦ ومهما اختلفت الرؤى حول أداء المسؤولين، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بما يتحقق من إنجازات تنعكس آثارها مباشرة على حياة المواطنين.
✦ فالعدل في الكلمة هو جوهر الرسالة الصحفية، والإشادة في موضعها لا تقل قيمة عن النقد في موضعه.
✦ إن مستشفى القلب بكسلا ليس نهاية الطريق، بل هو بداية مرحلة جديدة تستوجب المحافظة على هذا الإنجاز، وتطويره، واستكمال مقومات نجاحه.
✦ فالكوادر الطبية، والأجهزة الحديثة، والصيانة المستمرة، والدعم المالي، هي الضمان الحقيقي لاستمرار رسالته الإنسانية.
✦ وسيظل هذا الصرح شاهداً على أن الأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما بالإرادة، والعمل، والإخلاص، وتكاتف المجتمع مع مؤسساته.
✦ أما تلك الدموع التي سالت في يوم الافتتاح، فستبقى في ذاكرة كسلا رمزاً للحظة انتصر فيها الإنسان على معاناته، وانتصرت فيها الإرادة على المستحيل.
✦ وسيذكر التاريخ أن هذا المشروع لم يختصر المسافة بين كسلا ومراكز العلاج فحسب، بل اختصر كذلك مسافة الألم بين المريض والأمل.
✦ وحين تُكتب سيرة المدن، فإن أعظم ما يُخلد فيها ليس عدد مبانيها الشاهقة، وإنما عدد الأرواح التي أنقذتها، والابتسامات التي أعادتها إلى الوجوه، والقلوب التي منحتها فرصة جديدة للحياة.
✦ وهكذا تؤكد كسلا، مرة أخرى، أن المدن العظيمة لا تُقاس باتساع عمرانها، وإنما بعظمة رسالتها الإنسانية، وأن الاستثمار في صحة الإنسان سيظل أسمى وجوه البناء، وأبقى أثراً في ذاكرة الأجيال.

