بورتسودان بين العطش والظلام
هل تكفي الحلول الإسعافية لإنقاذ العاصمة الإدارية المؤقتة؟
الدوحةً حسن ابوعرفات
لم يعد انقطاع الكهرباء أو شح المياه في بورتسودان مجرد أزمة خدمات، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة مدينة أصبحت، بفعل الحرب، العاصمة الإدارية المؤقتة للسودان ومركزاً للحكومة والوزارات والبعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية، فضلاً عن كونها المنفذ البحري الرئيسي للبلاد.
ومع وصول محطة توليد كهرباء إسعافية عائمة إلى ميناء بورتسودان، عاد الأمل إلى المواطنين بإمكانية تخفيف معاناة القطوعات الطويلة، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تكفي الحلول الإسعافية لمعالجة أزمة تراكمت عبر عقود، أم أن المدينة تحتاج إلى رؤية استراتيجية تعيد صياغة بنيتها الأساسية بالكامل؟
مدينة تغيرت في سنوات قليلة
قبل اندلاع الحرب، كانت بورتسودان مدينة تعتمد على بنية تحتية صممت لخدمة عدد محدود من السكان. لكن انتقال مؤسسات الدولة إليها، وتدفق مئات الآلاف من النازحين، ضاعف الطلب على الكهرباء والمياه والخدمات الصحية والتعليمية.
ويقول مختصون إن ما حدث يشبه انتقال عاصمة كاملة إلى مدينة لم تُبنَ لاستيعاب هذا الحجم من السكان والأنشطة الاقتصادية، وهو ما أدى إلى ضغوط غير مسبوقة على شبكات الكهرباء والمياه.
محطة عائمة… إسعاف عاجل
وصول السفينة العملاقة HUA YANG LONG وهي تحمل محطة توليد كهرباء مدمجة وجاهزة للتشغيل يمثل تطوراً مهماً، فهذه المحطات تُصنع بالكامل خارج الموقع، وتصل مزودة بالتوربينات والمحولات وأنظمة التحكم، بما يتيح تشغيلها خلال فترة قصيرة مقارنة بالمحطات التقليدية.
ومن المنتظر أن تضيف المحطة قدرة إنتاجية جديدة تقلل فجوة العجز، وتخفف الضغط على الشبكة، وتحد من ساعات القطوعات، خاصة خلال فصل الصيف الذي يرتفع فيه الطلب على الكهرباء بصورة كبيرة.
لكن خبراء الطاقة يشيرون إلى أن زيادة الإنتاج وحدها لا تكفي، إذ إن كفاءة منظومة الكهرباء تعتمد أيضاً على سلامة شبكات النقل والتوزيع والمحطات التحويلية، وهي مكونات تحتاج إلى تحديث واستثمارات كبيرة.
أزمة المياه… التحدي الأصعب
إذا كانت الكهرباء يمكن دعمها بمحطات إسعافية، فإن أزمة المياه أكثر تعقيداً.
فالمدينة تقع في بيئة صحراوية محدودة الموارد المائية، وتعتمد على مياه سد أربعات والآبار الجوفية وبعض محطات التحلية الصغيرة، وهي مصادر أصبحت عاجزة عن تلبية الطلب المتزايد.
ومع كل موسم جفاف أو سيول، تتجدد الأزمة، فتتراجع الإمدادات، وترتفع تكلفة نقل المياه، ويضطر المواطنون إلى شراء المياه بأسعار تفوق قدرة كثير من الأسر.
ويرى مختصون أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بندرة الموارد، بل بقدم شبكات التوزيع وارتفاع نسبة الفاقد، فضلاً عن غياب مشروعات استراتيجية تواكب النمو السكاني.
مشروع نقل مياه النيل… فكرة مؤجلة
منذ سنوات طويلة، يتكرر الحديث عن مشروع طموح لنقل مياه نهر النيل إلى بورتسودان عبر خط أنابيب يمتد مئات الكيلومترات، ليصبح مصدراً دائماً للمياه.
ويرى أنصار المشروع أنه يمثل حلاً استراتيجياً يضمن الأمن المائي لعقود، ويمكن أن يدعم التوسع الصناعي والمينائي والسياحي في ولاية البحر الأحمر.
لكن في المقابل، يشير خبراء الاقتصاد والهندسة إلى أن المشروع يحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات، إضافة إلى محطات ضخ عملاقة، وخزانات، وشبكات توزيع حديثة، مع توفير مصدر مستدام للطاقة لتشغيله.
ويرون أن نجاح المشروع يتطلب شراكات تمويلية إقليمية ودولية، إلى جانب دراسات فنية واقتصادية محدثة تراعي المتغيرات الحالية.
البحر الأحمر… مورد لم يُستثمر بالكامل
يرى عدد من الخبراء أن موقع بورتسودان على البحر الأحمر يمنحها ميزة استراتيجية تتمثل في إمكانية التوسع في تحلية مياه البحر.
وقد شهدت تقنيات التحلية تطوراً كبيراً خلال العقدين الماضيين، سواء من حيث الكفاءة أو خفض استهلاك الطاقة، خاصة عند دمجها مع مشاريع الطاقة الشمسية.
ويرى هؤلاء أن إنشاء محطات تحلية متوسطة وكبيرة قد يكون أقل تعقيداً من تنفيذ خط أنابيب طويل من النيل، مع إمكانية التوسع التدريجي بحسب الحاجة.
الحلول… ليست خياراً واحداً
ويجمع المختصون على أن مستقبل بورتسودان لا ينبغي أن يقوم على مشروع واحد، بل على حزمة متكاملة من الحلول تشمل:
* تطوير منظومة الكهرباء ومحطات النقل والتحويل.
* إنشاء محطات توليد دائمة تعتمد على مزيج من مصادر الطاقة.
* التوسع في تحلية مياه البحر.
* إعادة إحياء مشروع نقل مياه النيل إذا أثبتت الدراسات جدواه الاقتصادية.
* تقليل فاقد المياه والكهرباء عبر تحديث الشبكات.
* إنشاء خزانات استراتيجية لمواجهة حالات الطوارئ.
* إدخال الطاقة المتجددة في تشغيل محطات الضخ والتحلية.
ما بعد الحلول الإسعافية
إن وصول محطة الكهرباء العائمة يمثل رسالة إيجابية بأن هناك تحركاً لمعالجة الأزمة، لكنه يظل جزءاً من استجابة عاجلة فرضتها الظروف الاستثنائية.
أما التحدي الحقيقي، فيكمن في الانتقال من إدارة الأزمات إلى التخطيط الاستراتيجي، فبورتسودان لم تعد مجرد مدينة ساحلية أو ميناء بحري، بل أصبحت محوراً لإدارة الدولة السودانية، ومركزاً اقتصادياً يعتمد عليه ملايين المواطنين.
ولذلك فإن مستقبل المدينة لن يُقاس بعدد ساعات انقطاع الكهرباء أو وصول المياه هذا الصيف، وإنما بقدرة الدولة على تنفيذ مشروع متكامل للبنية التحتية يضمن الأمن المائي والكهربائي لعقود قادمة.
فإذا كانت المحطة العائمة قد أنقذت المدينة من أزمة آنية، فإن التنمية المستدامة وحدها هي التي يمكن أن تنقذها من تكرار الأزمات، وتحوّل بورتسودان من مدينة تعيش تحت ضغط الطوارئ إلى مدينة تمتلك مقومات الاستقرار والنمو

