*”15 عاماً من الصمود… حواس رفضت الاستسلام”*
بقلم : محمد الصادق
في بلدٍ مرّ بثلاث ثورات، وحربين، وتضخم، وشح ورق، وانقطاع إنترنت… أن تستمر *المجلة الاقتصادية السودانية “حواس”* لمدة 15 عاماً، فهذه وحدها قصة نجاح تستحق أن تُكتب.
15 سنة تعني أن المجلة مرّت بكل شيء. مرّت بفصل الجنوب وخسارة 70% من عائدات النفط. ومرّت بثورة ديسمبر وشلل الاقتصاد. ومرّت بجائحة كورونا وإغلاق المطابع. واليوم تمر بحربٍ أحرقت أسواقاً ومؤسسات.
وكان الأسهل أن تُغلق، أو “تُعلّق الصدور مؤقتاً”، أو تتحول إلى صفحة على “فيسبوك”. لكنها اختارت الطريق الأصعب: أن تبقى مطبوعة، وأن توثق، وأن تحلل، وأن تكون شاهدةً وطرفاً في معركة الاقتصاد.
الاقتصاد السوداني يعيش في ضباب. أرقام غير رسمية، وقرارات مفاجئة، وشائعات سوق. هنا يظهر دور المجلة. لم يكن دورها نقل الخبر فقط، بل تفسير الخبر وصناعة الأحداث الاقتصادية. شرحت “حواس” للناس معنى تعويم الجنيه. وحلّلت أثر رفع الدعم. وتابعت ملف الذهب والتهريب. وفتحت ملفات الفساد في العقود والمشاريع.
باختصار: كانت “الذاكرة الاقتصادية” للسودان. فمن يريد أن يفهم ماذا حدث خلال 15 سنة يرجع إلى أرشيفها، ويسأل عن قائد سفينتها وربانها الماهر *الأستاذ طارق شريف*.
وأهم إنجاز للمجلة أنها صنعت منبراً. منبراً لرجال الأعمال، وللخبراء، وللشباب في التكنولوجيا المالية، وللمزارعين والمصدرين. وفي وقتٍ كانت فيه الدولة غائبة، كانت المجلة هي التي تستضيف النقاش: “كيف نُصدر؟ كيف نُمول؟ كيف نواجه التضخم؟” وهذا الدور لا يُقدر بثمن، لأنه يبني وعياً، والوعي هو أول خطوة في أي إصلاح.
خمسة عشر عاماً إنجاز، لكن التحدي الحقي هو في الخمسة عشر عاماً القادمة. والتحدي يتمثل في التحول الرقمي الكامل، وبناء قاعدة بيانات اقتصادية سودانية، وتدريب جيل جديد من الصحفيين الاقتصاديين.
إن السودان بعد الحرب سيحتاج إلى صوتٍ اقتصادي رصين أكثر من أي وقت مضى. سيحتاج إلى من يفكك موازنات الإعمار، ومن يراقب الاستثمار، ومن يحذر من الفساد.
تحية لهذا الصمود. تحية لكل محرٍ سهر، ولكل مراسلٍ خاطر، ولكل معلنٍ آمن بالفكرة.
فالمجلة التي تعيش 15 عاماً في السودان لا تكون مجرد “منتج إعلامي”، بل تكون *مؤسسة وطنية*.
وعقبال الـ 50 عاماً…
وعقبال سودانٍ مستقر تستطيع مجلاته أن تتحدث عن النمو بدلاً من الحديث عن الصمود فقط.
وللسودان العزة والكرامة والشموخ، ولـ *طارق شريف* دوام التوفيق والنجاح.

