*رَسَائِلُ مِنْ أَجْلِ السُّودَانِ*
*هَا هُوَ الْخَرِيفُ يَعُودُ مَرَّةً أُخْرَى*
أميمة عبد الله
إِنَّ أَكْثَرَ مَا يُحْزِنُ الْهَابِطِينَ عَبْرَ مَطَارِ الْخُرْطُومِ فِي رِحْلَاتِهِ الْأُولَى، وَالطَّائِرَةُ عَلَى هُبُوطٍ، قَحْطُهَا الْبَائِنُ ، لَيْسَتِ الْمَبَانِي الْمُهَدَّمَةُ وَلَا الشَّوَارِعُ الْخَالِيَةُ مِنَ النَّاسِ، وَلَا مَجْرَى النِّيلِ السَّاكِنُ، بَلِ الْأَشْجَارُ الْيَابِسَةُ وَالْجَفَافُ وَأَسْقُفُ الْمَبَانِي الْمُحْرَقَةِ، وَكَأَنَّ الْخُرْطُومَ بُقْعَةٌ أَنْهَكَهَا الْقَيْظُ وَسْطَ صَحْرَاءٍ جَافَّةٍ، مَدِينَةٌ عَلَى حَافَّةِ الْحَيَاةِ، كَأَنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَ مَقَرْنِ النِّيلَيْنِ وَلَا فِيهَا جَزِيرَةُ تُوتِي.
عِنْدَمَا تَنْزِلُ تَكْتَشِفُ، لَيْسَتِ الْأَرْضُ وَحْدَهَا، حَتَّى النَّاسُ غَلَبَتْ عَلَى مَلَامِحِهِمُ الْأَحْزَانُ وَمِنْ نَظَرَاتِهِمْ يَطِلُّ هَوْلُ مَا عَاشُوا مِنْ أَحْدَاثٍ، الْخُطَى ثَقِيلَةٌ، وَالْكَلَامُ مُتَعَثِّرٌ كُلُّ شَيْءٍ فِيهَا تَبَدَّلَ.
كَأَنَّ الْحَرْبَ أَخَذَتْ مِنْ أَرْوَاحِنَا أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَتْ مِنَ الْبُيُوتِ، وَكَأَنَّ الْخَوْفَ صَارَ جُزْءًا مِنَ التَّفَاصِيلِ، وَكَأَنَّ النَّاسَ لَيْسُوا هُمُ النَّاسَ.
الْأَرْصِفَةُ خَالِيَةٌ مِنَ السَّيَّارَاتِ الْمَرْكُونَةِ، وَالشَّوَارِعُ يَسْرَحُ فِيهَا السَّرَابُ، وَالْأَبْوَابُ مُشَرَّعَةٌ لِلرِّيحِ، وَالْمُدَّخَرَاتُ نُهِبَتْ، وَكُلُّ مَنِ اسْتَطَاعَ السَّرِقَةَ سَرَقَ، الْبُيُوتُ الْمُفَرَّغَةُ تَسْأَلُ عَنْ أَهْلِهَا. أَيْنَ هُمْ؟
بَعْدَ عَامٍ وَبِضْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ عَوْدَةِ الْخُرْطُومِ مِنَ الِاخْتِطَافِ، حَمَلَ الْأَوَائِلُ عَلَى عَاتِقِهِمُ التَّبْشِيرَ بِالْعَوْدَةِ، فَكَانُوا هُمُ الْبَدْرِيِّينَ الَّذِينَ كَنَسُوا الشَّوَارِعَ مِنَ السَّرَابِ، وَفَتَحُوا الْمَحَلَّاتِ وَأَعَادُوا إِضَاءَةَ اللَّمَبَاتِ.
عَادَ النَّاسُ وَانْتَظَمَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ عَامٍ رِحْلَاتُ الْعَوْدَةِ الْجَمَاعِيَّةِ لِلْخُرْطُومِ وَالْوِلَايَاتِ الْأُخْرَى عَبْرَ الْبَاصَاتِ وَالْقِطَارَاتِ وَالطَّائِرَاتِ، مِنْ كُلِّ بَلَدٍ فَرَّ إِلَيْهِ النَّاسُ.
عَادُوا يَحْمِلُونَ حَقَائِبَهُمْ وَبَعْضَ حَاجِيَّاتِهِمْ، إِنَّهَا حَمِيمِيَّةُ الْبُيُوتِ وَقِيمَةُ الْوَطَنِ. أَنْ يَكُونَ لَدَيْكَ مَكَانٌ وَمُنْبَتٌ وَمَسْقَطُ رَأْسٍ وَذِكْرَيَاتٌ تَعُودُ إِلَيْهَا، هَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ.
وَالْيَوْمَ يَعُودُ الْخَرِيفُ بِالْأَفْرَاحِ كَمَا عَهِدَهُ.
عَادَتِ الْغُيُومُ إِلَى سَمَاءِ الْخُرْطُومِ وَعَادَتْ مِيَاهُ الْأَمْطَارِ لِتَسْقِيَ الشَّوَارِعَ وَالْأَحْيَاءَ وَأَسْقُفَ الْبُيُوتِ وَتَغْسِلَ الْأَسْفَلْتَ، وَتَرْوِيَ عَطَشَ الْأَرْضِ وَجُذُوعَ الْأَشْجَارِ، فَاحَتْ رَائِحَةُ التُّرَابِ.
الْمَطَرُ يَقُولُ:
لَا شَيْءَ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ.
الْأَرْضُ لَا تَسْتَسْلِمُ لِلْجَفَافِ، وَلَا الْأَشْجَارُ لِلْيُبَاسِ، كَذَلِكَ نَحْنُ السُّودَانِيُّونَ لَا يَجِبُ أَنْ نَسْتَسْلِمَ لِلْأَحْزَانِ وَلَا أَنْ تُضْعِفَنَا التَّحَدِّيَاتُ، لَا يَجِبُ أَنْ يَغْلِبَنَا الْبُؤْسُ، وَلَا أَنْ يَظَلَّ كَاهِلُنَا مَائِلًا بِفِعْلِ الْهُمُومِ.
كَعَادَتِنَا نَحْنُ السُّودَانِيِّينَ، أَنْ نُؤَرِّخَ لِأَفْرَاحِنَا بِالْمَوَاسِمِ وَالْفُصُولِ، حَتَّى تَوَارِيخَ مِيلَادِنَا وَنَكَبَاتِنَا نَرْجِعُهَا إِلَى تَارِيخِ وُقُوعِ الْأَحْدَاثِ الْكَبِيرَةِ، لَكِنَّ الْآنَ لَدَيْنَا تَارِيخٌ وَاحِدٌ فَاصِلٌ فِي حِكَايَاتِنَا، قَبْلَ الْحَرْبِ وَبَعْدَهَا.
لِنَجْعَلْ بَعْدَ الْخَرِيفِ لَيْسَ قَبْلَهُ، هُوَ التَّارِيخُ الْفَاصِلُ لِعَوْدَتِنَا لِلْحَيَاةِ.
الشَّيْءُ الَّذِي عَجَزَ الْجَنْجَوِيدُ عَنْ سَرْقَتِهِ هُوَ نَحْنُ، تَارِيخُنَا مَعَ بِلَادِنَا، ذِكْرَيَاتُنَا فِي بُيُوتِنَا وَعَلَاقَتُنَا مَعَ مُدُنِنَا، وَقُدْرَتُنَا عَلَى الْبِنَاءِ مِنْ جَدِيدٍ.
لِنَبْدَأْ ثِقَتَنَا فِي أَنْفُسِنَا مَعَ الْمَطَرِ وَالْخَرِيفِ وَهَذِهِ الْغُيُومِ، لِنَتَحَلَّلَ مِنْ أَحْزَانِنَا وَبُؤْسِنَا وَنَضْرِبَ عَهْدًا مِنْ جَدِيدٍ مَعَ حَيَاتِنَا.
لِنَتَغَيَّرْ، لِنَبْدَأْ مِنَ الْآنَ، لِنَخْلُقَ لِأَنْفُسِنَا عَمَلًا وَحُلْمًا خَاصًّا.
نَهْضَةُ الْأَوْطَانِ تَبْدَأُ مِنْ لَحْظَةٍ صَغِيرَةٍ، مِنْ شَابٍّ يَقَرِّرُ أَنْ يَبْدَأَ مَشْرُوعًا مَهْمَا كَانَ بَسِيطًا، مِنْ طَبِيبٍ يَعُودُ إِلَى عَمَلِهِ، مِنْ فَنِّيٍّ يَعُودُ إِلَى مَصْنَعِهِ لِيَبْدَأَ مِنْ جَدِيدٍ فِي صِيَانَةِ خُطُوطِ الْإِنْتَاجِ ، مِنْ دُكَّانٍ جَدِيدٍ يُفْتَحُ عِنْدَ نَاصِيَةِ الشَّارِعِ، مِنْ قِدْرَةِ فُولٍ وَمَخْبَزٍ ، مِنْ مَدْرَسَةٍ وَرَوْضَةٍ وَبَيْتٍ عَادَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ، وَلَمْبَةٍ فِي الشَّارِعِ أُضِيئَتْ، مِنْ جَارٍ يُسَلِّمُ عَلَى جَارِهِ، مِنْ سُؤَالٍ عَنِ الْحَالِ وَكُرَةِ قَدَمٍ فِي مَيْدَانٍ صَغِيرٍ تَمَّتْ نَظَافَتُهُ وَعَادَ إِلَيْهِ الْأَطْفَالُ عَصْرًا.
مِنْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ تُقَالُ فِي وَقْتٍ يَحْتَاجُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى مَنْ يُذَكِّرُهُمْ بِأَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ لَمْ يُغْلَقْ بَعْدُ.
هَلْ نَنْتَظِرُ الْآخَرِينَ لِيَصْنَعُوا لَنَا الْأَمَلَ؟
لَا، لِنَكُنْ نَحْنُ الْأَمَلَ.
لِنَكُنْ جُزْءًا مِنْهُ، لِنَكُنْ نَحْنُ السَّلَامَ، نَحْنُ الْمُوَاطِنِينَ الْعَادِيِّينَ.
فَكُلُّ عَمَلٍ مُخْلِصٍ يُرْجَى مِنْ خَلْفِهِ الرِّزْقُ الْحَلَالُ، وَكُلُّ فِكْرَةٍ نَافِعَةٍ لِلنَّاسِ، وَكُلُّ مُبَادَرَةٍ مُجْتَمَعِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، وَكُلُّ نِيَّةٍ خَالِصَةٍ هِيَ حَجَرٌ جَدِيدٌ فِي بِنَاءِ الْوَطَنِ.
لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا دَوْرٌ، لَسْنَا جَمِيعًا أَصْحَابَ قَرَارٍ، كَمَا أَنَّنَا لَا نَمْلِكُ سُلْطَةً وَلَا مَالًا مُتَدَفِّقًا، لَكِنَّنَا نَمْلِكُ شَيْئًا لَا يَقِلُّ قِيمَةً:
أَنْ نُفَكِّرَ، أَنْ نُنْتِجَ، أَنْ نَعْمَلَ، أَنْ نُقَدِّمَ الْآخَرِينَ لِمَنْ يَسْتَطِيعُ.
دَوْرُنَا لَيْسَ صَغِيرًا طَالَمَا أَنَّنَا نَمْلِكُ إِرَادَةَ الْحَيَاةِ وَالْعَمَلِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْإِرَادَةِ.
لَنْ يَصْنَعَ نَهْضَةَ السُّودَانِ شَخْصٌ وَاحِدٌ، وَلَنْ تُحَقِّقَهَا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ، كُلُّ بَيْتٍ، كُلُّ مَدْرَسَةٍ، كُلُّ فِكْرَةٍ صَادِقَةٍ، هِيَ عَوْدَةٌ لِلسُّودَانِ.
لَعَلَّ مَطَرَ الْيَوْمِ وَبِدَايَةَ الْخَرِيفِ، تَحْمِلُ لَنَا رِسَالَةَ بُشْرَى:
أَنَّ الْأَشْجَارَ سَتَعُودُ لِلْخُرْطُومِ لَوْ بَدَأْنَا الْغَرْسَ، الشَّوَارِعُ تَعُودُ بَهْجَتُهَا بِالْمَاءِ وَالْأَشْجَارِ، وَالْحَيَاةُ تَعُودُ بِالنَّاسِ، لِأَنَّ النَّاسَ هُمْ نُفُوسُ الدِّيَارِ.
لِنَمْنَحْ أَنْفُسَنَا فُرْصَةً أُخْرَى، فُرْصَةً جَدِيدَةً مَعَ بِدَايَةِ الْخَرِيفِ.

