هل تتحول نفايات الخرطوم لصناعة تعيد بناء عاصمة حضارية
منً البعد المكاني تابعت ما ذكره المدير التنفيذي لمحلية الخرطوم عن نجاحهم في نقل أكثر من 250 ألف طن متري من النفايات الصلبة من أصل 350 ألف طن وهو ما يمثل انجاز يستحق التقدير، خاصة في ظل هذه الظروف الاستثنائية ، وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية:
إلى أين تذهب النفايات بعد جمعها؟ وهل ما زالت تُنقل من مكان لآخر دون معالجة حقيقية أو إعادة تدويرها ؟
لقد ظلت النظافة لعقود طويلة وصمة تؤرق عاصمة النيلين، حتى في سنوات الاستقرار النسبي. أما بعد الحرب فقد تحولت لأزمة بيئية وصحية تهدد حياة المواطنين، بعد أن تعرضت آليات النظافة للنهب والتدمير، وسُرقت معدات جمع النفايات، كما تضررت شبكات تصريف مياه الأمطار، الأمر الذي ضاعف من مخاطر فصل الخريف وانتشار الأمراض الوبائية .
تشير المعلومات إلى أن المحلية اضطرت لتخصيص نحو 900 كادر صحي لمكافحة نواقل الأمراض، في ظل تحديات بيئة متزايدة. ورغم أهمية هذه الإجراءات، فإنها تبقى حلولًا إسعافية لا تغني عن معالجة جذرية للأزمة .
النفايات… ثروة مهدرة
في عالم اليوم لم تعد النفايات مجرد مخلفات يجب التخلص منها، بل هي موردًا اقتصاديًا مهمًا. فالدول المتقدمة تنظر إليها باعتبارها مادة خام لإنتاج الطاقة والكهرباء والسماد والمواد الصناعية، بينما ما تزال الخرطوم تتعامل معها في معظم الأحيان باعتبارها عبئًا ينبغي نقله إلى المكبات.
وهنا يكمن جوهر القضية: أين مصانع إعادة التدوير؟ وأين الاستثمارات التي يمكن أن تحول هذه الأطنان من نفايات ضارة لقيمة اقتصادية مضافة وفرص عمل للشباب ؟
كيف تفاقمت الأزمة؟
قبل الحرب، كانت الخرطوم تنتج يوميا آلاف الأطنان من النفايات الصلبة ، تشمل:
* النفايات المنزلية. * مخلفات الأسواق
والأنشطة التجارية.
* النفايات الطبية.* مخلفات البناء والهدم.
ورغم ذلك، كانت العاصمة تواجه تحديات مزمنة، أبرزها:
* محدودية أسطول جمع النفايات.
* ضعف التمويل.* التوسع العمراني غير المخطط.* انتشار التخلص العشوائي من المخلفات.
وقطعا الحرب ضاعفت حجم الأزمة بسبب:
* توقف عمليات الجمع المنتظمة.
* تراكم النفايات في الأحياء والشوارع.
* انتشار المكبات العشوائية.
* تلوث مصادر المياه مع هطول الأمطار.
* زيادة مخاطر الأمراض المنقولة بالحشرات والقوارض.
* ارتفاع حجم المخلفات الطبية الناتجة عن المرافق الصحية.
أين تقف منظومة المعالجة؟
في الظروف الطبيعية تمر إدارة النفايات بعدة مراحل تبدأ بجمعها ونقلها لمحطات التجميع، ثم لمواقع الطمر. غير أن الطمر الصحي الحديث ما يزال محدودًا في السودان، بينما تفتقر كثير من المكبات إلى المعايير البيئية المطلوبة.
أما إعادة التدوير فما تزال تعتمد على جهود محدودة يقوم بها القطاع الخاص وبعض العاملين في جمع البلاستيك والمعادن والكرتون، وهي جهود لا تتناسب إطلاقًا مع الحجم الهائل للنفايات التي تنتجها العاصمة القومية .
الحلقة المفقودة :
الاستثمار بمصانع التدوير
إذا كانت الخرطوم تبحث عن حل مستدام، وذو فوائد مركبة فإن الطريق يبدأ بتحويل قطاع النظافة من عبء على الموازنة لقطاع استثماري منتج… وهذا يتطلب:
* طرح مشروعات ومناقصات استثمارية لإنشاء مصانع حديثة لإعادة التدوير.
* تشجيع الشراكات بين الحكومة والقطاع الخاص والشباب.
* إنشاء محطات متطورة لفرز النفايات من المصدر.
* إقامة مطامر صحية وفق المعايير البيئية الدولية.
* الاستفادة من النفايات العضوية لإنتاج السماد والغاز الحيوي والطاقة الكهربائية.
* تصنيع البلاستيك والورق والمعادن المعاد تدويرها.
* إدخال الاقتصاد الدائري ضمن خطط إعادة الإعمار .
دروس من تجارب العالم :
العديد من المدن كانت تواجه ظروفًا صعبة، لكنها نجحت في تحويل أزمة النفايات لقصة نجاح:
* القاهرة : طورت منظومات حديثة لجمع وفرز النفايات مع توسيع مشاركة القطاع الخاص.
* كيغالي : أصبحت من أنظف العواصم الإفريقية بفضل التشريعات الصارمة، والمساءلة، والمشاركة المجتمعية.
* سنغافورة : حولت إدارة النفايات لمنظومة متكاملة تعتمد على إعادة التدوير وإنتاج الطاقة وتقليل الاعتماد على المكبات.
فرص لا ينبغي إضاعتها :-
إعادة إعمار الخرطوم لا ينبغي أن تعني فقط إصلاح الطرق والجسور والمباني، بل يجب أن تشمل بناء منظومة حديثة لإدارة النفايات تواكب متطلبات المدن الذكية والتنمية المستدامة.
فالمدن بحاجة اليوم لرؤية مستحدثة تحول النفايات لمورد اقتصاديً لا عبئًا بيئيًا، وتفتح الباب أمام المستثمرين لإنشاء مصانع إعادة التدوير، بما يوفر آلاف الوظائف للشباب وكذا الاستثمار ويحد من التلوث، ويعزز الصحة العامة.
إن العاصمة التي خرجت مثخنة بجراح الحرب تستحق أن تبدأ مرحلة جديدة، لا تُنقل فيها النفايات من شارع لمكب، بل لتتحول المخلفات لصناعة وطنية تدر الدخل، وتدعم الاقتصاد، وتعيد لخرطوم ” الالات الثلاثة ” وجهها الحضاري… ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة عملية:
هل سيتحول إعادة تدوير النفايات لأحدى مشروعات إعادة الإعمار ؟ أم ستظل الأطنان المتراكمة تُنقل من مكان لآخر، وتضيع فرص تحويلها لثروة وطنية .. انهضوا يا شباب الغد ركيزة الاقتصاد والتنمية المستدامة .
عواطف عبداللطيف
Awatifdetar1@gmail.com


