السودان بين أزمة الدولار ونهضة المعرفة
(هل يخرج من عنق الزجاجة عبر أبواب الابتكار؟)
بقلم: مستشار أحمد حسن الفادني
في مشهد يعكس عمق المأساة الاقتصادية حيث تجاوز سعر الدولار في الأسواق الموازية حاجز 5550 جنيها بينما يقف السعر الرسمي عند حده الأدنى في 2400 جنيها في انقسام نقدي يعكس حالة من التشوه الهيكلي النادر الحدوث في كثير من الدول ومع تضخم رسمي بلغ 145% وانكماش الناتج المحلي بنسبة 13.5% خلال 2024 لا يبدو أن حلول الإنقاذ التقليدية كتعديل أسعار الصرف الجمركي أو ضخ سيولة نقدية تملك ما يكفي لوقف هذا النزيف الحاد فجذور الأزمة كما نراها و يراها الكثير من خبراء الاقتصاد ليست في سعر الصرف وحده انما في التدمير الواسع للقاعدة الإنتاجية في البلاد وهو ما يطرح سؤالاً جوهريا و مصيريا وهو (هل آن الأوان لأن يتخلى السودان عن نموذجه الاقتصادي التقليدي القائم على تصدير المواد الأولية ويبحر في مياه اقتصاد المعرفة؟
انهيار نموذج الريع والحرب:
يعيش السودان اليوم أزمة اقتصادية طاحنة و الأشد في تاريخه الحديث لكن الأرقام المقلقة التي تتصدر عناوين الأخبار بالمانشيت العريض تخفي حقيقة أكثر إيلام وهي أن الاقتصاد السوداني لم يعد يملك قاعدة إنتاجية حقيقية يمكن إصلاحها فهو أصبح أشبه بجسم يحتاج إلى إعادة تخلق من جديد ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن رفع سعر الدولار الجمركي من 3395 إلى 3517 جنيهاً خلال أسبوع واحد يواصل الدولار صعوده في السوق الموازية دون رادع والدليل أن تحريك السعر الجمركي لم يوقف الانهيار لأن سعر الصرف اليوم بعد نتيجة لتداخل عوامل التضخم وارتفاع تكاليف النقل واتساع النشاط غير الرسمي بالإضافة إلى تداعيات الحرب التي أوقفت عجلة الإنتاج في معظم ولايات البلاد ولكن ما يغفله كثير من المحللين حين يربطون الأزمة بالحرب فقط هو أن اقتصاد المعرفة تحديدا قد يقدم حلولا لمعضلات كانت وستظل قائمة و المتمثلة في ضعف الإنتاجية وتآكل قيمة العملة وهجرة الكفاءات واتساع الفجوة الرقمية. فإنه نموذج لا يعتمد على ثروة باطن الأرض أو حظوظ الطقس فهو مفهومه اكبر انما يعتمد على ثروة العقول وأفكارها.
اقتصاد المعرفة.. ما هو؟ ولماذا السودان؟
بعيدا عن التعريفات الأكاديمية الجافة يمكن القول إن اقتصاد المعرفة هو ذاك النموذج الذي تصبح فيه المعلومات والتقنية والابتكار وليس النفط أو الذهب أو حتى الأرض هي محركات النمو الأساسية في هذا النموذج لا تنضب الموارد بمجرد استخدامها انما تزداد قيمة كلما تشاركت بها المجتمعات وهذا تحديدا ما يمنح السودان رغم كل شيئ فرصة غير مسبوقة، ففي وقت يقبع فيه السودان في المرتبة 138 من بين 139 دولة في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025، تقديرا بأن السودان يمتلك أدنى معدلات الإنفاق على البحث والتطوير في المنطقة ومع احتلاله المرتبة 145 في مؤشر اقتصاد المعرفة العالمي يظل السؤال هل هذه القاع هي نقطة الانطلاق أم حفرة الهاوية؟ في الواقع أن الإجابة تعتمد على قدرة السودان على تحويل نقاط ضعفه إلى نقاط قوة فلديه أكثر من 43 مليون مواطن خارج النظام المصرفي وهي فرصة ذهبية لثورة في التكنولوجيا المالية. ولديه جالية واسعة في الخارج تحمل خبرات متراكمة في مجالات التقنية والطب والهندسة و الإدارة الحديثة ، هنا نرى التوجيه و التوجه الحكومي لتشجيع عودة الأساتذة الجامعيين المغتربين وهي إشارة إلى وعي جديد بقيمة رأس المال البشري المغترب.
التعليم حجر الزاوية الذي تهشم:
في قلب أي تحول نحو اقتصاد المعرفة يقف التعليم بكل تجلياته وهنا يبدو المشهد السوداني أشبه بلوحة معتمة فحتى قبل الحرب كانت المخصصات المالية للتعليم لا تتجاوز نسبة ضئيلة من الناتج المحلي لكن الحرب أوصلت الوضع إلى مرحلة انهيار شبه كامل للبنية التعليمية. وهنا يمكن القول على ان المطلوب إعادة هندسة المنظومة التعليمية برمتها وقد لاحظ المراقبون مؤخرا تحركات حكومية أولية تمثلت في توجيهات بمراجعة المناهج الدراسية لتضمين تطبيقات وتقنيات الذكاء الاصطناعي إضافة إلى خطط لربط المؤسسات الأكاديمية بقطاع الأعمال لكن هذه التحركات تظل نقطة في بحر من التحديات ما لم تصاحبها زيادة جوهرية في الإنفاق على البحث العلمي وتطوير المهارات الرقمية.
البنية الرقمية… حلم يتشكل تحت وطأة القصف:
ربما يكون قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات من أكثر القطاعات صمودا في الحرب الحالية لكنه يظل أبعد ما يكون عن الطموحات المطلوبة لاقتصاد المعرفة. ففيما أطلقت الحكومة خطة 3×3 للتحول الرقمي التي تهدف إلى ربط المواطن والقطاع الخاص والدولة في مسار نحو سودان رقمي حديث وبدأت العمل على تطبيق المدفوعات الرقمي الموحد سودا باي ومنصة بلادنا الحكومية تظل الفجوة بين هذه الطموحات وحقيقة التغطية المتدنية للإنترنت وضعف الكهرباء في كثير من المناطق، فجوة هائلة، لكن دعاة التحول الرقمي يرون في الأزمة فرصة فالحرب عطلت الكثير من الخدمات التقليدية، ما يدفع المواطنين والقطاع الخاص نحو الحلول الرقمية بشكل اضطراري وهذا الضغط قد يولد كما حصل في كثير من الدول قفزة نوعية في التبني الرقمي ،وهنا تكمن فرصة السودان من خلال البناء على هذا الزخم العاطفي للتحول الرقمي وتحويله إلى بنية تحتية دائمة، بدلا من حلول مؤقتة.
الطريق إلى المستقبل… 5 سنوات تغير كل شيء:
في دراسة حديثة لمؤسسة دولية اطلعت عليها اخيرا حيث قدر أنه بإمكان السودان في حال التزم بمسار الإصلاح الهيكلي المدعوم بالتحول الرقمي يمكن أن يحقق نمو في القطاع الرقمي يتجاوز 15% سنويا، وهو ما قد يحدث تغيير جذري في هيكل الاقتصاد خلال 5 إلى 7 سنوات لكن الطريق إلى ذلك يمر بمراحل محددةيمكن أن نلخصها في الآتي :
1. العام الأول: لابد من إقرار حزمة تشريعية تحفز الاستثمار في قطاع التكنولوجيا وتحمي الملكية الفكرية وتبسط إجراءات تأسيس الشركات الناشئة وهذا يتطلب إصلاحات مالية جريئة تتجاوز تعديل أسعار الصرف لتشمل توسيع القاعدة الضريبية ومحاربة الفساد.
2. الأعوام 1-3: إعادة هيكلة المناهج التعليمية مع إنشاء شبكة من حاضنات الأعمال ومراكز الابتكار في المدن الكبرى مع التركيز على قطاعات تتمتع السودان فيها بميزة تنافسية كالتكنولوجيا الزراعية (للاستفادة من المساحات الشاسعة والمياه) وتكنولوجيا الطاقة المتجددة (مع وفرة الشمس والرياح) والخدمات الرقمية (بالاستفادة من الموقع الجغرافي واللغات).
3. المدى البعيد (3-5 سنوات): بناء نظام بيئي متكامل ترتبط فيه الجامعات بالصناعة ويصبح الابتكار جزء من الثقافة الاقتصادية وتتحول السودان من مستورد للمعرفة إلى منتج لها.
دعوة المعارضون له هل يصلح هذا في دولة محطمة؟
واقعيا تبدو هذه الطموحات بعيدة المنال في دولة تعاني من حرب مدمرة وانهيار في البنى التحتية، ونزوح الملايين حيث يذهب بعض المحللين الاقتصاديين إلى أن الحديث عن اقتصاد المعرفة في ظل الحرب هو ضرب من ضروب الانفصال عن الواقع وأن الأولوية القصوى يجب أن تكون وقف الحرب وإعادة الإعمار المادي أولا.
لكن أنصار هذا التوجه يردون بأن إعادة الإعمار المادي بالطرق التقليدية هي التي أوصلت السودان إلى هذه النقطة في المقام الأول، ويشيرون إلى تجارب دول مثل رواندا التي خرجت من إبادة جماعية لتتحول إلى مركز تكنولوجي في القارة ، فالتحول المعرفي في نظرهم هو في الواقع نموذج التعافي الأسرع في عالم ما بعد الحروب و النزاعات المحلية .
خارطة طريق في زمن الحرب:
ربما يكون السودان اليوم في أمس الحاجة إلى نموذج تنموي لا يعتمد على ما يملك من نفط أو ذهب انما على ما يملكه من عقول فالسودان وعلى عكس كثير من الدول، يمتلك فائض بشري تعليمي ويحتل موقعاً استراتيجي، ويمتلك ثروات طبيعية هائلة يمكن، باستخدام التكنولوجيا المعرفية، حيث يتم تحويلها من مجرد مواد خام إلى سلع ذات قيمة مضافة عالية.
التحول إلى اقتصاد المعرفة ليس طوق نجاة سحريا لكنه قد يكون الخيار الأقل سوءا في بلد تقطعت به كل سبل النهضة التقليدية. ومع أن الطريق شاق تحفه تحديات الحرب والتمويل وانهيار البنية التحتية فإن البدء ولو بخطوات محددة اليوم كإطلاق برامج تدريبية رقمية مكثفة ورقمنة الخدمات الحكومية الأساسية وتحفيز الاستثمار في التكنولوجيا المالية قد يضع السودان على درب لا رجعة فيه نحو مستقبل مختلف.
السؤال الذي يبقى معلقا … هل تملك النخبة السياسية والاقتصادية في السودان و الجرأة على التخلي عن النموذج القديم الذي أوصل البلاد إلى هذا المصير واغتنام الفرصة الفريدة لإعادة البناء على أساس مختلف تماما؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ما إذا كان السودان سيبقى أسير أزماته أم سينجح في كتابة فصل جديد من تاريخه الاقتصادي.
(يجب أن تغير)

