ذاكرةُ المكان وأشواقُ الهوية: قراءة في تجربة محمد بن محمد الجفيري
محمد يوسف العركي
المتابع لحركةُ الكتابة والتأليف في قطر اليوم يمكنها الوصف لها باعتبارها فعلَ وجودٍ و وعي واكتشاف وخرجت منذ فنرة من النتاج الفردي العابر لتستحيل إلى مشروعٍ ثقافي واعد، يتنفس برئتين: رئة التحديث والاعتزاز بالهوية الوطنية، ورئة الانفتاح الواعي على قضايا الأمة والإنسان. وفي هذا المشهد المتنامي، الذي ترعاه المؤسسات الحكومية ذات الصلة وتثريه المطابع ودور النشر ليتجلى كل ذلك من خلال المعارض والندوات والحوارات الثقافية المتصلة، فالكلمة المكتوبة اضحت وثيقةً حضاريةً تسجل التحولات الاجتماعية الكبرى، وتصون رحم الأرض وروح التاريخ من عاديات الاندثار.
وفي قلب هذه الحركة الثقافية القطرية، تُطالعُنا تجربة الكاتب والإعلامي والمؤرخ والاديب محمد بن محمد الجفيريبوصفها حالةً قلميةً لافتةً تُغري بالقراءة والنظر؛ حالة يتقاطع فيها الشاعر الوجداني بـ المؤرخ الاجتماعي، ويستحيل فيها السرد الشخصي إلى وثيقةٍ تحفظ ذاكرة جيل كامل. وقد حظيتُ بمحاورة الكاتب على مدى دورتين من معرض الدوحة الدولي للكتاب من خلال الصالون الثقافي، فكان الحوارُ دوماً ماتعاً ومائزاً، يجمع بين الطرح العميق والسهل الممتنع، ويشفّ عن وعيٍ عريض ومسؤوليةٍ معرفية عالية تجاه الثقافة والمجتمع.
استعادة المكان وحراسة الذاكرة
إن الكتابة عند الجفيري ليست مجرد ممارسة جمالية للتعبير عن الذات، بل هي — في جوهرها —استعادةٌ للمكان وتثبيتٌ للزمان. يتجلى ذلك بجلاء في عمله التوثيقي المرجعي “صور من الذاكرة.. حكاية جيل”، وهو العمل الذي تناولت الصحافة القطرية أبعاده التوثيقية العميقة، لكونه يوثّق لمراحل تشكّل المجتمع القطري؛ من مدرسة قطر الإعدادية في أواخر الستينيات، مروراً بـ “دكان العدني” وفضاءات الدوحة القديمة، وصولاً إلى التحولات الحديثة.
لا يقدم الجفيري سيرته هنا كفردٍ معزول، بل ينسجها داخل النسيج الكلي للمجتمع؛ يغدو “المكان” عنده كائناً حياً يُستحضر بالوفاء، وتتحول “الذاكرة” من مجرد انطباعات سابقة إلى حائط صد ضد النسيان. إنه يكتب بوعي الكاتب الذي يخشى على الجيل الجديد من انقطاع الجذور، فيصنع من أوراقه جسراً يربط ريادة التأسيس بأفق التحديث.
الأفق القومي وقضايا الهوية الجامعة
ولعل الأفق الأكثر اتساعاً في قلم الجفيري يكمن في انشغاله بالقضايا العروبية والهوية الجامعة. لم ينكفئ الرجل على الشأن المحلي فحسب، بل امتدت بصيرته الفكرية لتستوعب أسئلة الأمة، كما يتضح في مؤلفه الاخير “العرب في ثمانين سنة” والذي يتناول اهم الاحداث الكبرى في عالمنا العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وعلى مدى اربعين سنة مطوفا على جميع البلاد العربية مستعرضا ابرز الاحداث ما بين السياسي والاجتماعي والثقافي.ولا يمكن ان نتجاوز قراءته المستعادة للرموز في “الخمسون: أعظم خمسون شخصية في التاريخ العربي الإسلامي”. هنا تتكشف نبرة الكاتب المثقف الذي يرى في التاريخ خزانةً للقيم والعِبر، لا متحفاً للوثائق والاثار؛ فيستدعي النموذج الإنساني والمثال الحضاري في عالم يحتاج الى ابراز القيم والقدوات مقابل حالة السيولة والتغريب وغياب الهوية.
بين السرد الروائي وشفافية الوجدان
أما على صعيد الأسلوب والتجربة الجمالية، فـ “قلم الجفيري” يتنفس برئتين متوازيتين:
رئة السرد والتجريب: كما بدا جلياً في روايته “1972: صدفة خير من ألف ميعاد” (الصادرة عن دار كتارا للنشر)، والتي حظيت باهتمام نُقاد الملتقى القطري للمؤلفين والصحف المحلية؛ حيث تقمّص فيها صوت الشباب ليردم الفجوة القرائية لدى فئة اليافعين، مازجاً فيها بين الخيال الروائي والتوثيق للانساق الثقافية والاجتماعية في السبعينيات (من بين كورنيش الدوحة وأزقة بيروت).
رئة التأمل والشعر: كما في كتابه “أفكار مبعثرة”، حيث تلتقط عين الناقد الملاحظات الحياتية بأسلوب ميسر يتخفف من صرامة الأكاديميا، وديوانه الشعري “وهج الشوق” الذي تنكشف فيه عاطفته الوجدانية الأصيلة.
خاتمة
إن قلم محمد بن محمد الجفيري يُقدم لنا نموذجاً حياً للكاتب الذي يعي مسؤولية الكلمة داخل الحركة الثقافية القطرية والعربية؛ فهو يجمع بين وقار الشاهد على التحولات الوطنية، وحس الأديب المكتوي بأشواق الذات وظلال الاسلام والعروبة. إنه نصٌّ يذكرنا دائماً بأن الكتابة الحقيقية هي التي تترك أثراً في ذاكرة الناس، وتصون هوية الإنسان والمكان.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

