هل يمكن إصلاح الاقتصاد دون إصلاح الخدمة المدنية؟
الأجور والإنتاجية والحوكمة… مثلث الإصلاح المفقود
بقلم محمد حمد أبوعول
تواجه الدولة السودانية تحديات اقتصادية غير مسبوقة، تمثلت في ارتفاع معدلات التضخم، وانخفاض قيمة العملة الوطنية، وتراجع الإنتاج، وتآكل الدخول الحقيقية للعاملين. وفي خضم البحث عن حلول لهذه الأزمات، يبرز سؤال جوهري هل يمكن إصلاح الاقتصاد دون إصلاح الخدمة المدنية؟
إن الإجابة، في تقديري، هي لا. فالخدمة المدنية ليست جهازاً إدارياً فحسب، بل هي الأداة التي تنفذ السياسات الاقتصادية للدولة. وإذا كانت هذه الأداة ضعيفة، فإن أفضل الخطط الاقتصادية ستظل حبراً على ورق.
أولى ركائز الإصلاح هي إصلاح منظومة الأجور. فقد أدى التضخم المتسارع إلى فقدان المرتبات جانباً كبيراً من قيمتها الحقيقية، وأصبح كثير من العاملين غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية. وعندما لا يوفر الأجر حياة كريمة، يتراجع الدافع إلى العمل، وتزداد الهجرة إلى القطاع الخاص أو إلى خارج البلاد، فتفقد الدولة خبراتها وكفاءاتها.
لكن زيادة الأجور وحدها ليست حلاً إذا لم ترتبط بالإنتاجية. فالإصلاح الحقيقي يقوم على معادلة متوازنة أجر عادل مقابل أداء وإنتاجية أعلى. ويتطلب ذلك وضع مؤشرات واضحة لقياس الأداء، وربط الحوافز بالإنجاز، والاستثمار في التدريب المستمر، وتطوير المهارات، وإعادة توزيع القوى العاملة بما يحقق الكفاءة.
أما الركيزة الثالثة فهي الحوكمة، وهي الأساس الذي يضمن حسن إدارة الموارد العامة. فوجود أنظمة رقابة فعالة، وشفافية في اتخاذ القرار، ومساءلة للمسئولين، واستخدام التقنيات الحديثة في الإدارة المالية والإدارية، كلها عناصر تحد من الهدر والفساد، وترفع كفاءة الإنفاق العام، وتعزز ثقة المستثمرين والمواطنين في مؤسسات الدولة.
كما أن الإصلاح الإداري ينبغي أن يشمل مراجعة الهياكل التنظيمية، وإزالة الازدواجية في الاختصاصات، وتبسيط الإجراءات، وتسريع التحول الرقمي، بما يسهم في تحسين جودة الخدمات الحكومية وخفض تكلفتها.
إن تجارب الدول التي نجحت في الإصلاح الاقتصادي تؤكد أن النهضة لم تبدأ من الأسواق أو البنوك فقط، بل بدأت من بناء جهاز حكومي كفء وقادر على تنفيذ السياسات العامة بكفاءة ونزاهة. فالإدارة العامة هي المحرك الذي يحول الخطط إلى نتائج، والإصلاح الاقتصادي لا يكتمل دون إصلاحها.
وفي السودان حيث تتعاظم الحاجة إلى إعادة الإعمار وتحفيز الاستثمار وزيادة الإنتاج، يصبح إصلاح الخدمة المدنية ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن الإصلاح المالي أو النقدي. فالأجور العادلة، والإنتاجية المرتفعة، والحوكمة الرشيدة ليست قضايا منفصلة، وإنما تشكل معاً مثلث الإصلاح الاقتصادي المستدام.
إن الاقتصاد لا يُبنى بالقرارات وحدها، وإنما بالمؤسسات القوية، والموارد البشرية المؤهلة، والإدارة الرشيدة. ولذلك فإن الطريق إلى تعافي الاقتصاد السوداني يبدأ من إصلاح الخدمة المدنية، لأنها القلب النابض للدولة، ومن دونها سيظل أي إصلاح اقتصادي ناقصاً وعرضة للتعثر.

