السودان بعد الحرب.. لا إقصاء يصنع دولة ولا غلبة تصنع استقراراً
حسن ابوعرفات من الدوحة
ما طرحه الزميل ضياء الدين بلال حول «حقائق لا يمكن تجاوزها في معادلات المستقبل السوداني» يستحق التوقف عنده، ليس لأنه يقدم وصفة جاهزة للحل، وإنما لأنه يضع يده على واحدة من أكثر أزمات السودان استعصاءً: عجز النخب السياسية عن إدارة الاختلاف دون تحويله إلى صراع وجودي.
السودان لم يفشل بسبب غياب الأفكار أو نقص القوى السياسية، وإنما فشل مراراً لأن كل مجموعة سياسية تعاملت مع نفسها باعتبارها صاحبة الحق الحصري في تحديد مستقبل البلاد، وتعاملت مع الآخرين باعتبارهم مشكلة ينبغي إزاحتها، لا شركاء ينبغي التفاوض معهم.
وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة.
أولاً: لا يمكن بناء الاستقرار على الإقصاء.
التاريخ السوداني يؤكد أن إقصاء أي تيار واسع من المجتمع لا يؤدي إلى اختفائه، وإنما يدفعه إلى البحث عن وسائل أخرى لاستعادة نفوذه. وقد تكون تلك الوسائل سياسية، وقد تتحول في ظروف معينة إلى وسائل أكثر خطورة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نُقصي هذا التيار أو ذاك؟
بل: كيف نضع قواعد تجعل مشاركة الجميع مرتبطة بالدستور والقانون، وليس بامتلاك السلاح أو القدرة على تعطيل الدولة؟
وهذه نقطة جوهرية؛ لأن رفض الإقصاء لا يعني تبرئة أحد من أخطائه، ولا يعني منح حصانة سياسية أو قانونية لأي طرف.
ثانياً: الاعتراف بالإسلاميين كجزء من المجتمع لا يعني إعادة إنتاج تجربتهم في الحكم.
هذه معادلة يجب أن تكون واضحة.
الإسلاميون قوة اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاهل وجودها، كما أن تجربتهم في الحكم لا يمكن تجاوزها دون تقييم ومراجعة ومساءلة. ومن الخطأ في الوقت نفسه التعامل مع كل الإسلاميين باعتبارهم كتلة واحدة، أو اعتبار وجودهم السياسي مرادفاً تلقائياً لعودتهم إلى السلطة.
المعادلة الأكثر عقلانية هي:
حقهم في العمل السياسي لا يمنحهم حق احتكار الدولة، كما أن أخطاء تجربتهم السابقة لا تمنح الآخرين حق إلغاء وجودهم السياسي.
وهذا المبدأ ينبغي أن ينطبق على الجميع بلا استثناء.
ثالثاً: لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 25 أكتوبر، كما لا يمكن إعادة السودان إلى ما قبل ديسمبر 2018.
السودان تغير بصورة عميقة.
تغير المجتمع، وتغيرت موازين القوى، وتغيرت علاقة الشارع بالأحزاب، وتبدلت أولويات المواطن. والأهم أن الحرب نفسها أحدثت تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة لا يمكن تجاهلها عند صياغة مستقبل البلاد.
لذلك فإن الرهان على استعادة أي طرف لنفوذه القديم بالكامل هو رهان على الماضي، بينما السودان يحتاج إلى مشروع للمستقبل.
وإذا كانت مجموعة «صمود» أو القوى المدنية الأخرى تريد العودة إلى المشهد، فإن عليها أن تدرك أن الشرعية السياسية لا تُكتسب بالشعارات ولا بالدعم الخارجي، وإنما بثقة السودانيين، وبالقدرة على تقديم مشروع وطني مقنع.
رابعاً: الجيش أنقذ الدولة من الانهيار، لكن إنقاذ الدولة شيء وحكم الدولة شيء آخر.
هذه من أكثر القضايا حساسية.
فالاعتراف بالدور الذي قامت به القوات المسلحة في مواجهة انهيار الدولة لا يعني منحها تفويضاً سياسياً مفتوحاً.
وفي المقابل، فإن الحديث عن الحكم المدني لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب عدائي تجاه المؤسسة العسكرية أو تجاهل لدورها في حماية السيادة والأمن الوطني.
المطلوب هو الوصول إلى معادلة واضحة:
جيش قوي ومحترف يحمي الدولة، ودولة مدنية ذات شرعية شعبية تدير السياسة والحكم.
لا جيشاً يحكم السياسة، ولا قوى سياسية تحاول إخضاع الجيش لحساباتها الحزبية.
خامساً: ما بعد الحرب يحتاج إلى عقد سياسي جديد، وليس مجرد حكومة جديدة.
وهذه هي النقطة الأهم.
المشكلة ليست في تغيير رئيس وزراء أو تشكيل حكومة جديدة أو توزيع المناصب بين القوى السياسية. المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
السودان يحتاج إلى اتفاق على قواعد اللعبة نفسها:
* من يحق له العمل السياسي؟
* ما حدود العلاقة بين الجيش والسياسة؟
* كيف تُجرى الانتخابات؟
* كيف تُحمى الحقوق والحريات؟
* كيف تتم محاسبة من ارتكب جرائم أو تجاوزات؟
* كيف تتم إعادة بناء مؤسسات الدولة؟
* كيف تُدار الموارد بصورة عادلة؟
* وكيف نضمن ألا يتحول السلاح إلى أداة لتحديد من يحكم ومن يُقصى؟
إذا لم تتم الإجابة عن هذه الأسئلة، فإن تغيير الوجوه لن يغير جوهر الأزمة.
سادساً: المصالحة لا تعني النسيان، والمحاسبة لا تعني الانتقام.
هذه أيضاً معادلة لا بد أن يتعلمها اهلنا في السودان.خاصة القوي السياسية
لا يمكن بناء دولة مستقرة من دون عدالة، ولكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى تصفية سياسية.
ومن الخطأ أن يُطلب من الضحايا أن ينسوا، كما أنه من الخطأ أن تتحول المحاسبة إلى وسيلة لإبادة الخصوم السياسيين معنوياً وسياسياً.
المطلوب هو عدالة مستقلة، ومحاسبة فردية على الجرائم، وضمانات قانونية، ومصالحة وطنية حقيقية.
واخيراً أقول بالصوت الجهير ؛
السودان أمام فرصة تاريخية، لكنها قد تتحول إلى فرصة ضائعة إذا عادت النخب إلى الأدوات القديمة نفسها: الإقصاء، التخوين، الاستقواء بالخارج، احتكار الحقيقة، أو الرهان على القوة وحدها.
لن يكون مستقبل السودان ملكاً للإسلاميين وحدهم، ولا للقوى المدنية وحدها، ولا للقوات المسلحة وحدها، ولا لأي حركة مسلحة أو حزب أو مجموعة سياسية.
السودان أكبر من الجميع.
والمعادلة التي يمكن أن تنقذ البلاد ليست معادلة «من ينتصر؟»، وإنما معادلة كيف نعيش جميعاً في دولة واحدة، تحت قانون واحد، وحقوق واحدة، وواجبات واحدة؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي للنخب السودانية.
فإذا نجحت في الانتقال من سياسة «إلغاء الآخر» إلى سياسة «إدارة الاختلاف»، ومن منطق «الغلبة» إلى منطق «المؤسسات»، ومن البحث عن شرعية الخارج إلى استعادة ثقة الداخل، فإن السودان يستطيع أن يبدأ صفحة جديدة.
أما إذا ظلت القوى السياسية تتعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة لمن ينتصر، فسوف تتغير الحكومات والوجوه والتحالفات، بينما تبقى الأزمة السودانية في مكانها.
المطلوب الآن ليس أن ينتصر تيار على تيار، وإنما أن تنتصر الدولة السودانية على أسباب انهيارها
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

