*رؤية للاستفادة من الخبرة السعودية في ربط وتطوير موانئ السودان*
د. خالد سيد أحمد عوض الكريم
أستاذ وخبير الإدارة واللوجستيات وسلاسل الامداد
11 اغسطس 2026
تستعد السعودية والسودان لتوقيع اتفاقية لتأسيس مجلس التعاون والتنسيق الإستراتيجي بين البلدين يوم 17 أغسطس الجاري، وتمثل هذه الاتفاقية خطوة متقدمة في مسار العلاقات بين الرياض والخرطوم. تتمثل الملفات التي سوف تعنى بها الاتفاقية في إعادة إعمار السودان، والزراعة والأمن الغذائي، والثروة الحيوانية، والذهب والتعدين، والبحر الأحمر والموانئ، والطاقة والكهرباء، والتمويل والمصارف، والصناعة والتصنيع الغذائي، والاتصالات والتحول الرقمي، السياحة والعقار والخدمات.
وسوف يتناول هذا المقال كيفية الاستفادة من هذه الاتفاقية لتطوير الموانئ السودانية وربطها بالموانئ السعودية. من المعلوم أن الموانئ الحديثة أصبحت تقاس كفاءتها بسرعة تدفق البيانات. ففي التجارة العالمية، أصبح زمن بقاء الحاوية داخل الميناء مؤشراً لا يقل أهمية عن عمق الميناء نفسه. لهذا السبب تتجه الاستثمارات الكبرى إلى الرقمنة قبل التوسع في البنية التحتية، لأن المكاسب التشغيلية أصبحت تأتي من البرمجيات بقدر ما تأتي من الأرصفة والمباني.
السودان يملك واحداً من أهم المواقع البحرية في أفريقيا. ويقع ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، الذي تمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الطاقة بين آسيا وأوروبا. ومع ذلك، لم يتحول هذا الموقع إلى ميزة اقتصادية بالحجم الذي تسمح به الجغرافيا، نتيجة محدودية الاستثمار في التكنولوجيا المينائية، وضعف تكامل الأنظمة التشغيلية، وارتفاع زمن المناولة والتخليص.
استثمرت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة في بناء منظومة تشغيل رقمية للموانئ ضمن أهداف رؤية 2030. وشمل ذلك تطبيق أنظمة مجتمع الموانئ (PCS)، وأنظمة تشغيل المحطات (TOS)، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، وشبكات الجيل الخامس، إلى جانب منصات إلكترونية تربط الجمارك وخطوط الملاحة والمشغلين في بيئة رقمية موحدة. وأصبحت التكنولوجيا جزءاً من البنية الأساسية للموانئ.
هذه التجربة تفتح باباً عملياً أمام السودان. فالتحدي الذي تواجهه الموانئ السودانية يرتبط بزيادة الطاقة الاستيعابية، وبكفاءة استخدام الأصول الحالية. وتشير تقديرات دولية إلى أن رقمنة العمليات المينائية يمكن أن تخفض زمن التخليص والإجراءات اللوجستية بما يصل إلى 50%، وأن ترفع إنتاجية المحطات بنسبة تتراوح بين 20 و30%، مع انخفاض ملموس في تكاليف التشغيل. وفي الوقت نفسه، تجاوزت قيمة سوق الموانئ الذكية عالمياً ملياري دولار، مع استمرار نموه مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
يمكن ترجمة هذه الخبرة إلى خطوات عملية في السودان. فأنظمة مجتمع الموانئ توحد الإجراءات الحكومية والتجارية في منصة إلكترونية واحدة، وأنظمة تشغيل المحطات تنظم حركة الحاويات والسفن بصورة لحظية، بينما تسمح تقنيات إنترنت الأشياء بمراقبة المعدات وجدولة الصيانة قبل وقوع الأعطال. أما مراكز القيادة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي فتساعد على التنبؤ بالازدحام وإدارة حركة السفن وتحسين استغلال الأرصفة. هذه الأدوات تغير طريقة تشغيل الميناء أكثر مما تغير شكله.
الخط الملاحي المباشر بين جدة وبورتسودان يضيف بعداً آخر لهذه المعادلة. فالقيمة الحقيقية لهذا الربط تكمن في اختصار زمن الشحن وإمكانية دمج الموانئ السودانية داخل شبكة لوجستية إقليمية تعتمد على معايير تشغيل موحدة، وهو ما يسهل انتقال التكنولوجيا والخبرات والكوادر، ويخفض تكلفة التجارة على المدى الطويل.
يبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً ببيئة الاستثمار. فالتكنولوجيا لا تعمل بمعزل عن المؤسسات، والاستثمارات طويلة الأجل تحتاج إلى استقرار تنظيمي، وشراكات واضحة، وبرامج لبناء القدرات المحلية. وعندما تتوافر هذه العناصر، يصبح تحديث الموانئ عملية مؤسسية تتجاوز شراء المعدات إلى إعادة تصميم دورة العمل بالكامل.
التحدي الحقيقي أمام السودان هو تشغيل الموانئ الحالية بصورة أكثر كفاءة. وفي اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على سرعة سلاسل الإمداد، قد تصبح البرمجيات والبيانات العامل الأكثر تأثيراً في تنافسية الموانئ خلال العقد المقبل. ولذلك تبدو الخبرة السعودية في الموانئ الذكية أقرب إلى نموذج تشغيلي يمكن تكييفه مع البيئة السودانية.

