البرهان يفتح الباب الكبير.. من حرب السلاح إلى معركة التوافق السياسي في السودان
الدوحة حسن ابوعرفات
لم يكن خطاب رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، في الذكرى الثانية والسبعين لعيد القوات المسلحة، مجرد خطاب عسكري في مناسبة عسكرية؛ بل حمل، في تقديري، رسائل سياسية وقانونية تستحق قراءة أعمق من عباراته المباشرة.
فاللافت في الخطاب أن البرهان، في لحظة ترى فيها المؤسسة العسكرية أنها أكثر ثقة بموقعها الميداني والسياسي، لم يغلق الباب أمام السياسة، بل فتح نافذة واسعة أمام حوار سوداني–سوداني داخل البلاد، مع تقديم ضمانات سياسية وقانونية وأمنية للمشاركين، والتأكيد على أن الدولة لن تكون الجهة المنظمة للحوار، ولا المحددة لأجندته أو مخرجاته.
وهنا تكمن أهمية الخطاب.
فالرسالة الجديدة ليست أن الحرب انتهت، ولا أن التسوية مع قوات الدعم السريع أصبحت وشيكة، وإنما أن الحرب، في رؤية البرهان، لا ينبغي أن تمنع التفكير في شكل السودان السياسي بعد الحرب.
وهذا انتقال مهم في الخطاب السياسي: من سؤال «من ينتصر في الحرب؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً وأهمية: «كيف يُعاد بناء الدولة السودانية بعد الحرب؟»
من إدارة الحرب إلى التفكير في ما بعد الحرب
يمكن قراءة خطاب البرهان عبر ثلاثة مسارات متوازية:
الأول: المسار العسكري.
الجيش، وفق الخطاب، مستمر في حربه حتى استكمال أهدافه، ولا يقدم الحوار باعتباره بديلاً عن المعركة العسكرية أو تسوية منفصلة عن قضية السلاح.
الثاني: المسار السياسي.
في المقابل، يفتح البرهان الباب أمام حوار وطني واسع، ويؤكد أن القوى السودانية مطالبة بالمشاركة في تحديد مستقبل البلاد.
الثالث: المسار القانوني.
وهنا ربما تكمن أهم إضافات الخطاب؛ إذ طرح البرهان تقديم ضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين، وتحدث عن وقف الإجراءات الجنائية مؤقتاً، مع التأكيد على أن ذلك لا يمثل عفواً أو إسقاطاً للحقوق.
إن جمع هذه المسارات الثلاثة في خطاب واحد يعني أن المؤسسة العسكرية بدأت تنظر إلى مرحلة ما بعد الحرب باعتبارها قضية سياسية وقانونية، لا مجرد قضية عسكرية.
الضمانات.. إزالة أكبر حجر أمام الحوار
أكبر عقبة أمام أي حوار سوداني داخلي ليست بالضرورة تحديد جدول الأعمال، وإنما الثقة.
فكيف يعود سياسي أو ناشط أو شخصية عامة إلى السودان للمشاركة في حوار، وهو لا يعرف ما إذا كان دخوله البلاد سيعرضه للاعتقال أو الملاحقة؟
لهذا فإن الحديث عن الضمانات ليس تفصيلاً بروتوكولياً.
إنه محاولة للإجابة عن السؤال الذي سيطرحه أي مشارك محتمل:
ماذا سيحدث لي إذا عدت إلى السودان وشاركت في الحوار؟
لكن قيمة هذه الضمانات ستتوقف على تحويلها من تعهد سياسي إلى نصوص وإجراءات قانونية واضحة تحدد من تشملهم، وما مدتها، ومن يراقب تنفيذها، ومن يملك تفسيرها أو إنهاءها.
وهنا تحديداً تبدأ عملية الاختبار الحقيقي.
الفصل بين «العفو» و«وقف الإجراءات».. نقطة قانونية شديدة الأهمية
من أكثر النقاط ذكاءً في الخطاب التفريق بين وقف الإجراءات الجنائية وبين العفو.
فالرسالة السياسية هنا تقول إن المشاركة في الحوار لا تعني إسقاط الجرائم أو إلغاء العدالة، وإنما توفير مساحة مؤقتة وآمنة تسمح للشخص بالمشاركة السياسية. وقد شدد البرهان على أن وقف الإجراءات لا يمثل عفواً، ولا يعني إسقاط حقوق أصحاب الشكاوى.
وهذا التفريق مهم للغاية؛ لأنه يحاول الجمع بين مطلبين:
ضمان المشاركة السياسية من جهة، وعدم تحويل الحوار إلى بوابة للإفلات من المسؤولية من جهة أخرى.
لكن يبقى السؤال الأصعب:
من يحدد أن الإجراء الجنائي مرتبط بالنشاط السياسي، ومن يحدد أنه متعلق بجريمة جنائية مستقلة؟
وهذه مسألة لا يمكن تركها للتقدير السياسي وحده، بل تحتاج إلى آلية مستقلة وشفافة.
الحصانة السياسية.. هل يستطيع السوداني أن يقول ما يريد؟
إذا كان هناك عنصر يمكن أن يصبح نقطة تحول في الحوار، فهو الحماية المتعلقة بما يقوله المشاركون داخل جلساته.
فالحوار الحقيقي لا يمكن أن يقوم إذا دخل كل مشارك وهو يسأل نفسه:
هل يمكن أن أُحاسب غداً على ما أقوله اليوم؟
الحصانة عن الرأي السياسي داخل الحوار يمكن أن تمنح المشاركين مساحة حقيقية لطرح أفكار قد لا تتفق مع الجيش أو الحكومة أو الأحزاب الأخرى.
لكن ينبغي هنا التمييز بوضوح بين الحصانة عن الرأي والموقف السياسي وبين الحصانة عن الجرائم.
الأولى ضرورية للحوار.
أما الثانية فلا ينبغي أن تتحول إلى مظلة للإفلات من العدالة.
الدولة تنظم الحماية.. ولا تنظم الحوار
ربما تكون العبارة الأكثر أهمية سياسياً في خطاب البرهان هي أن الدولة ليست الجهة المنظمة للحوار، ولا التي تحدد أجندته أو مخرجاته، احتراماً لاستقلاليته.
إذا تحولت هذه العبارة إلى ممارسة فعلية، فإنها يمكن أن تؤسس لنموذج مختلف عن تجارب الحوار السابقة في السودان.
فأحد أمراض الحياة السياسية السودانية أن السلطة كانت كثيراً ما تتحول إلى:
* منظم للحوار؛
* محدد للمشاركين؛
* واضع لجدول الأعمال؛
* ومتحكم في سقف النقاش؛
* ثم طرفاً مستفيداً من مخرجاته.
أم أن تكون الدولة مسؤولة عن توفير الأمن والضمانات والبيئة المناسبة، بينما يتولى الحوار جسم مستقل، فهذه خطوة يمكن أن تعزز شرعيته.
لكن مرة أخرى: الاختبار في التطبيق وليس في الخطاب.
السؤال الأصعب: من هو السوداني الذي يحق له المشاركة؟
هنا تكمن إحدى أعقد نقاط المبادرة.
فالحديث عن «جميع القوى السياسية والمجتمعية» يبدو واسعاً، لكن الحرب خلقت خطوطاً حمراء جديدة، خصوصاً فيما يتعلق بقوات الدعم السريع والقوى السياسية المتحالفة معها.
ولهذا يجب التمييز بين أمرين:
المشاركة في الحوار لا تعني بالضرورة المشاركة في الحكم.
وهذا التفريق قد يكون مفتاحاً مهماً لتوسيع دائرة الحوار.
يمكن أن يجلس المختلفون حول طاولة واحدة لمناقشة مستقبل الدولة، دون أن يعني ذلك منح أي منهم منصباً أو شرعية تلقائية للمشاركة في السلطة.
فالحوار ليس توزيعاً للسلطة، وإنما بحث عن صيغة لإدارة الاختلاف السياسي داخل الدولة الواحدة.
من يأتي أولاً: الأمن أم السياسة؟
هذه هي العقدة الاستراتيجية الأكبر.
تصور البرهان للتسوية يبدو قائماً على أولوية إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش، وتسليم السلاح وتجميع القوات وترتيب أوضاع المقاتلين، قبل الوصول إلى تسوية سياسية نهائية.
بينما قد ترى قوى مدنية أن وقف الحرب والتسوية السياسية يجب أن يسبقا الترتيبات الأمنية.
وربما يكون الحل الواقعي في ألا نضع المسارين في مواجهة بعضهما.
السودان يحتاج إلى مسار متوازٍ:
وقف التصعيد والقتال → ترتيبات أمنية → حوار سياسي → ترتيبات انتقالية → دستور → انتخابات.
وبذلك تصبح السياسة جزءاً من عملية إنهاء الحرب، لا مجرد مرحلة لاحقة لها.
الحوار السوداني لا يعني العزلة عن العالم
الخطاب يحمل أيضاً رسالة إلى الوسطاء الإقليميين والدوليين: أن الحل السياسي ينبغي أن يكون سوداني القيادة والقرار.
وهذا لا يعني أن السودان يستطيع الاستغناء عن الخارج.
فمرحلة ما بعد الحرب ستحتاج إلى دعم إقليمي ودولي في إعادة الإعمار، والاقتصاد، والمساعدات الإنسانية، وإعادة النازحين، وإصلاح المؤسسات، وربما مراقبة بعض الترتيبات الأمنية.
لذلك فإن الصيغة الأكثر واقعية ليست:
حل سوداني بعيداً عن العالم
بل:
حل سوداني تقوده الإرادة الوطنية، وتدعمه البيئة الإقليمية والدولية.
«المناخ العام للحريات».. ربما أهم من الضمانات نفسها
من أكثر الجوانب اللافتة في الخطاب حديث البرهان عن ضرورة أن يجري الحوار في فضاء عام مفتوح، يستطيع فيه المواطنون التعبير عن آرائهم ونقد الحوار أو تأييده دون خوف أو تضييق.
وهذه الفكرة، إذا طبقت فعلاً، يمكن أن تنقل الحوار من مؤتمر للنخب إلى عملية سياسية مجتمعية.
فالحوار الوطني الحقيقي لا ينبغي أن ينتهي عندما يغادر المشاركون قاعة الاجتماع.
بل يجب أن ينتقل إلى المجتمع:
حوار سياسي → نقاش مجتمعي → توافق وطني → عقد سياسي جديد.
وهذه، في تقديري، هي الطريق الأكثر أماناً لتجنب إنتاج اتفاق سياسي جديد لا يجد قبولاً شعبياً.
من شرعية الحرب إلى شرعية التوافق
السؤال الأكبر الذي سيواجه السودان بعد الحرب لن يكون فقط: من يشكل الحكومة؟
بل:
من أين تستمد السلطة شرعيتها؟
من القوة العسكرية؟
من السيطرة على الأرض؟
من الأمر الواقع؟
من التحالفات السياسية؟
أم من توافق وطني يفضي في النهاية إلى انتخابات حرة؟
وهنا تكمن أهمية الخطاب.
فإذا كان المقصود منه بالفعل الانتقال تدريجياً من شرعية فرضتها الحرب إلى شرعية تنتجها عملية سياسية، فإن الحوار يصبح أكثر من مجرد مؤتمر سياسي.
يصبح جسراً لإعادة تأسيس الدولة السودانية.
خمسة اختبارات ستحدد مصير المبادرة
أولاً: من يشكل لجنة الحوار؟
إذا شكلتها السلطة وحدها، ستظل مشكلة الثقة قائمة. أما إذا ضمت شخصيات مستقلة تحظى بقبول واسع، فقد تبدأ العملية من أرضية أفضل.
ثانياً: من يحدد المشاركين؟
يجب ألا يكون المعيار الوحيد هو: مع الجيش أم ضده. وإنما ينبغي وضع معايير وطنية واضحة للمشاركة، تتصل بوحدة السودان ونبذ العنف وقبول التداول السلمي للسلطة.
ثالثاً: كيف تتحول الضمانات إلى قانون؟
المطلوب وثيقة محددة توضح نطاق الحصانة، ومدتها، وحدودها، والجهة التي تراقب تطبيقها.
رابعاً: هل يسمح الحوار بالنقد الحقيقي؟
إذا كان مسموحاً بمناقشة التفاصيل فقط، بينما تبقى القضايا الكبرى خارج النقاش، فلن يكون الحوار كافياً لإنتاج توافق وطني.
خامساً: هل تستطيع القوى السياسية نفسها تجاوز الماضي؟
فالسلطة تستطيع فتح الباب، لكنها لا تستطيع إجبار النخب على التخلي عن حساباتها القديمة.
وهنا ربما تكون المعركة الأصعب.
ماذا يجب أن ينتج الحوار؟
إذا نجح الحوار، فلا ينبغي أن تكون جائزته مجرد تشكيل حكومة جديدة أو إعادة توزيع المناصب.
بل ينبغي أن يستهدف إعادة تأسيس الدولة السودانية عبر خمسة مسارات:
1. إنهاء الحرب وتعدد الجيوش.
2. بناء جيش وطني مهني موحد.
3. صياغة عقد دستوري جديد.
4. إقامة انتقال محدد المدة والمهام.
5. الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة تنهي المرحلة الانتقالية.
وبالتوازي مع ذلك، يجب أن تسير ملفات العدالة والمصالحة وإعادة النازحين والإعمار وإصلاح الاقتصاد.
الخلاصة: الباب فُتح.. لكن الطريق لم يبدأ بعد
خطاب البرهان ليس خطاب سلام بالمعنى التقليدي، ولم يتضمن تسوية مباشرة مع الدعم السريع، كما أنه لم يتخل عن الخيار العسكري.
لكنه، في المقابل، فتح الباب بوضوح أمام مسار سياسي سوداني داخلي، وطرح ضمانات للمشاركين، وأكد استقلال الحوار عن الدولة من حيث التنظيم والأجندة والمخرجات، وتحدث عن بيئة عامة تسمح بالنقد والتأييد دون خوف.
وهذا يجعله خطاباً مهماً في لحظة سياسية شديدة التعقيد.
لكن يجب ألا نبالغ في التفاؤل.
الخطاب أعطى الفرصة، لكنه لم يصنع الحل.
الحل يبدأ عندما تتحول العبارات إلى مؤسسات وإجراءات: لجنة حوار مستقلة، معايير واضحة للمشاركة، ضمانات مكتوبة، حريات عامة، جدول أعمال متفق عليه، وآلية ملزمة لتنفيذ المخرجات.
وعندها فقط يمكن القول إن السودان بدأ ينتقل من مرحلة:
«من ينتصر في الحرب؟»
إلى مرحلة:
«كيف نعيد بناء السودان بعد الحرب؟»
وهنا تحديداً تكمن القيمة التاريخية المحتملة لخطاب 15 أغسطس 2026.
فالفرصة المطروحة اليوم تقوم على الجمع بين ثلاثة احتياجات سودانية كبرى:
حسم أمر السلاح، وإنهاء الحرب، وإعادة تأسيس الشرعية السياسية عبر التوافق.
والتحدي الحقيقي هو ألا تبقى هذه الثلاثة شعارات متجاورة، بل أن تتحول إلى مشروع وطني واحد يعيد للسودان سيادته الكاملة ودولته المستقبلية

