اقتصاد كامل خارج المظلة الضريبية… من يدفع فاتورة الدولة؟
بقلم: محمد حمد أبوعول
في السودان، قد يكون من السهل على الدولة أن تصل إلى الموظف، والشركة المسجلة، والمصنع المعروف، والتاجر الذي يعلن نشاطه، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها أن ترى الاقتصاد كله. وبينما تتجه يد التحصيل إلى من هو ظاهر في السجلات، تتحرك أموال وأنشطة وأعمال واسعة في مساحات لا تصل إليها الإدارة الضريبية بالكفاءة المطلوبة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
عندما تحتاج الدولة إلى مزيد من الإيرادات، يكون الحل التقليدي هو زيادة الضرائب أو تشديد التحصيل على المكلفين الموجودين أصلاً داخل المنظومة. لكن ماذا لو كان الخلل الأساسي ليس في انخفاض الضريبة، وإنما في أن جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي لا يدفع عنها ضريبة أصلاً؟
هذه هي القضية التي أعاد طرحها الأستاذ حمدي رحمه الله عندما تحدث عن ضيق القاعدة الضريبية واتساع النشاط الاقتصادي الواقع خارج نطاقها. وبغض النظر عن اختلاف التقديرات حول حجم الاقتصاد غير الخاضع للتحصيل، فإن جوهر المشكلة لا يحتاج إلى كثير من الجدل الدولة لا تستطيع بناء مالية عامة قوية إذا كانت ترى جزءاً من اقتصادها فقط، بينما يعمل الجزء الآخر بعيداً عن التسجيل والرقابة والتحصيل.
المفارقة أن الدولة قد تعاقب الملتزم على التزامه. فالشركة التي تسجل نشاطها، والتاجر الذي يقدم إقراره، والمصنع الذي يظهر حساباته، يصبحون أهدافاً سهلة للتحصيل، بينما قد يتمكن نشاط آخر من تحقيق إيرادات كبيرة دون أن يتحمل نصيبه العادل من تكلفة الدولة.
وهذا ليس خللاً مالياِ فحسب إنه خلل في العدالة الاقتصادية.
فإذا كان عدد محدود من المكلفين يتحمل الجزء الأكبر من العبء، فإن زيادة الضرائب عليهم قد تبدو حلاً سريعاً، لكنها في الواقع قد ترفع تكلفة الإنتاج والتجارة والخدمات، وتضعف القدرة التنافسية، وتقلل الحافز على الاستثمار، بل وقد تدفع بعض الأنشطة إلى إخفاء جزء من أعمالها أو مغادرة الاقتصاد الرسمي.
أما الطريق الآخر فهو أكثر صعوبة في البداية، لكنه أكثر استدامة توسيع القاعدة الضريبية بدل استنزاف القاعدة الموجودة.
بمعنى آخر، لا ينبغي أن يكون السؤال كم نأخذ من المكلف الحالي؟ بل كم مكلفاً يمكن أن يدخل بصورة عادلة ومنظمة إلى المنظومة؟
هذه هي فكرة الإصلاح الرأسي والأفقي في أبسط صورها تخفيف العبء على الملتزمين، وفي الوقت نفسه توسيع قاعدة الخاضعين للضريبة. فإذا أصبح عدد أكبر من الأنشطة الاقتصادية مسجلاً وملتزماً، أمكن للدولة أن تحصل على إيرادات أكثر استقراراً دون الحاجة إلى تحميل النشاط الرسمي معدلات تثقل كاهله.
لكن توسيع القاعدة لا يعني مطاردة الفقراء وأصحاب الأنشطة الصغيرة بالأسلوب نفسه الذي يجب أن تتعامل به الدولة مع الشركات والأنشطة الكبيرة. الاقتصاد غير الرسمي ليس كله تهرباً متعمداً. هناك من يعمل خارج المنظومة لأن التسجيل معقد، أو لأن تكلفة الالتزام مرتفعة، أو لأن النشاط صغير وهش، وهناك في المقابل أنشطة اقتصادية كبيرة تستطيع العمل بصورة رسمية لكنها لا تفعل.
وهنا يجب أن تكون للدولة عين مختلفة.
صاحب النشاط الصغير يحتاج إلى إجراءات مبسطة وحوافز تساعده على الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي. أما النشاط الكبير الذي يحقق إيرادات وأرباحاً معتبرة، فيحتاج إلى تسجيل ورقابة وإفصاح وتحصيل حقيقي. لا يمكن وضع الاثنين في سلة واحدة.
والأهم من ذلك أن تجعل الدولة الالتزام الضريبي مفيداً لصاحبه.
لماذا يسجل التاجر نشاطه؟ لماذا يقدم إقراره؟ لماذا يدفع الضريبة؟ إذا كانت الإجابة الوحيدة هي أنه حتى لا يعاقب، فلن تنشأ ثقافة ضريبية حقيقية. المطلوب أن يصبح السجل الضريبي جزءاً من الهوية الاقتصادية للنشاط، وأن يرتبط وفق القانون بالحصول على بعض التراخيص والامتيازات التجارية، والدخول في المناقصات والعطاءات، والاستفادة من الخدمات والتمويلات المخصصة للأنشطة الرسمية.
أي أن تكون هناك معادلة واضحة من يلتزم يحصل على مزايا، ومن يتهرب يتحمل تكلفة التهرب.
وهنا تأتي الرقمنة باعتبارها واحدة من أهم أدوات الإصلاح.
ليس منطقياً أن تحاول الدولة معرفة حجم الاقتصاد من خلال موظف يطوف على الأسواق أو ملفات ورقية متفرقة. الاقتصاد الحديث يترك آثاراً رقمية ومالية في كل مكان تسجيل تجاري، حساب مصرفي، استيراد، تخليص جمركي، ترخيص، شراء عقار، تسجيل مركبة، عقد حكومي، فاتورة، تحويل مالي.
إذا استطاعت الدولة، في إطار القانون وحماية البيانات، ربط هذه المعلومات ببعضها، فإنها ستصبح أكثر قدرة على معرفة حجم النشاط الاقتصادي الحقيقي وتحديد المخاطر الضريبية. وعندها تتحول الإدارة الضريبية من جهاز يطارد المكلفين إلى مؤسسة تعتمد على البيانات والتحليل والرقابة الذكية.
حتى المعاملات الاقتصادية الكبيرة يجب أن تكون قابلة للتتبع. من يشتري مصنعاً أو عقاراً تجارياً أو مزرعة أو يدخل في استثمار ضخم، من الطبيعي أن توجد آلية قانونية لمعرفة مصدر الأموال ومدى اتساقها مع الدخل والنشاط المعلن. وهذا لا يعني التضييق على الاستثمار، وإنما حماية الاقتصاد من الأموال مجهولة المصدر والتهرب الضريبي وغسل الأموال.
لكن لا يمكن أن نطالب بتوسيع القاعدة الضريبية ونترك في الوقت نفسه باب الإعفاءات مفتوحاً بلا مراجعة.
الإعفاء الضريبي يمكن أن يكون أداة مشروعة لتشجيع الاستثمار أو دعم قطاع معين، لكنه يفقد معناه إذا تحول إلى وضع دائم أو ميزة غير مبررة. لذلك ينبغي أن تكون الإعفاءات محددة الهدف والمدة، وأن تخضع للتقييم الدوري، وأن يعرف المجتمع تكلفة هذه الإعفاءات وما إذا كانت حققت الغرض الذي منحت من أجله.
والأهم أن يكون القانون واحداً.
أي كيان يمارس نشاطاً اقتصادياً خاضعاً للضريبة ينبغي أن يخضع للقواعد نفسها، أياً كانت الجهة التي يرتبط بها، ما لم ينص القانون صراحة على إعفاء محدد. لا ينبغي أن تكون ملكية النشاط أو صلته بمؤسسة نافذة سبباً في حصوله على حماية ضريبية غير معلنة.
فالضريبة يجب أن تتبع النشاط الاقتصادي، لا اسم المالك ولا نفوذه.
وهذا ينطبق على الشركات والأنشطة المرتبطة بمؤسسات الدولة أو القوات النظامية أو الأجهزة الأمنية أو الحركات المسلحة، متى كان النشاط الذي تمارسه خاضعاً للضريبة وفق القانون. فإذا أردنا بناء دولة مؤسسات، فلا يمكن أن تكون هناك عدالة ضريبية انتقائية.
وفي الجانب الآخر، يجب أن تكون مكافحة التهرب حقيقية، ولكنها يجب ألا تعتمد على السلطة التقديرية الواسعة التي تفتح الباب للتسويات الشخصية والفساد والابتزاز. المطلوب قواعد واضحة، ونظم إلكترونية، ومراجعة مبنية على المخاطر، وعقوبات متدرجة وفعالة، بحيث تركز الدولة على التهرب المتعمد والأنشطة الكبيرة التي تخفي إيراداتها، بدل إرهاق الأنشطة الصغيرة بالإجراءات.
لكن الدولة مطالبة أيضاً بأن تسأل نفسها ماذا نقدم لمن يدفع؟
المواطن لا يدفع الضريبة في فراغ. هو يمول دولة يفترض أن تقدم له الأمن، والصحة، والتعليم، والطرق، والكهرباء، والمياه، والخدمات. وكلما رأى أثر ما يدفعه في حياته اليومية، أصبح الالتزام الضريبي أكثر قبولاً.
لهذا فإن إصلاح الضرائب ليس مشروعاً لتحصيل الأموال فقط، وإنما مشروع لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.
السودان لا يحتاج بالضرورة إلى ضرائب أعلى. إنه يحتاج إلى قاعدة ضريبية أوسع، ومعدلات أكثر اعتدالاً، وإدارة أكثر كفاءة، ومساواة حقيقية أمام القانون.
فالاستمرار في تحميل الملتزمين أعباء متزايدة لن يعالج مشكلة اقتصاد واسع لا تدخله الدولة إلا جزئياً. الطريق الأكثر عقلانية هو أن يدفع الملتزم أقل، وأن يدخل غير الملتزم إلى المظلة، وأن تصبح ممارسة النشاط خارج النظام الرسمي أكثر صعوبة، بينما يصبح الدخول إلى الاقتصاد الرسمي أكثر سهولة وفائدة.
في النهاية، ليست القضية كم تبلغ الضريبة فقط، وإنما من يدفعها، ومن لا يدفعها، ولماذا لا يدفعها، وكيف يمكن إدخاله إلى المنظومة.
إذا نجح السودان في توسيع قاعدته الضريبية، ورقمنة الإدارة، ومراجعة الإعفاءات، ومكافحة التهرب، وربط بعض المزايا الاقتصادية بالالتزام، وتحقيق المساواة أمام القانون، فسوف لا يكون قد أصلح الضرائب فحسب، بل يكون قد بدأ في استعادة جزء من اقتصاده المفقود.
المشكلة ليست أن الضريبة قليلة أو كثيرة المشكلة أن هناك اقتصاداً يعمل، وينتج، ويتداول الأموال، بينما لا تدفع أجزاء منه نصيبها العادل في فاتورة الدولة.
والإصلاح الحقيقي يبدأ من هنا ضرائب أقل على الملتزمين، مكلفون أكثر، اقتصاد أكثر ظهوراً، وقانون لا يستثني أحداً.

