الخرطوم شوف عين (4)
محمد يوسف العركي
إلى أم درمان… حيث ما زال الناس يعيدون بناء الوطن بالمحبة
حين خرجت إلى أم درمان، كانت تلك أول زيارة لي إليها منذ أكثر من عامين. لم تكن رحلة عادية بين مدينتين، بل كانت عبوراً بين زمنين.. زمن خرجت فيه من الخرطوم مطارداً بالخوف، وزمن أعود فيه إليها محمولاً على رجاء التعافي.
تذكرت الرحلة الأولى حين غادرت الكلاكلة متجهاً إلى أم درمان للحاق بأسرتي الصغيرة التي سبقتني إليها. يومها كان الطريق يلتف عبر جبل أولياء في رحلة امتدت اثنتي عشرة ساعة كاملة. خرجت وأنا أردد في سري دعاء موسى عليه السلام: “رب نجني من القوم الظالمين”.كانت نقاط المليشيا منتشرة حيثما اتجه البصر، وكانت النجاة تبدو أقرب إلى المعجزة منها إلى الاحتمال. لكن الله نجاني، كما نجا آلاف السودانيين الذين حملوا أوطانهم في قلوبهم وهم يغادرون بيوتهم مكرهين.
هذه المرة كان الطريق مختلفاً.
ركبت حافلة “هايس”، وسددت قيمة التذكرة عبر “بنكك” قبل التحرك. جلست أتأمل الوجوه من حولي. شيء ما كان يشع من ملامح الركاب والمارة. وجدتها تشع بركةً وتفاؤلاً ولعل هذا من اسرار التعافي في الاقتصادي، فالمباني تستمد روحها من المعاني والمدن لا تعود حين تُرمم جدرانها فقط، بل حين يستعيد سكانها قدرتهم على الحلم.
كان الناس يشبهون الأرض بعد المطر.
للمرة الأولى مررت بسوق الشجرة. هناك فوجئت بأن سوق الأثاث ما زال محتفظاً بكثير من ملامحه القديمة. أخبرني بعض من شهدوا أيام القتال أن تلك المنطقة بقيت داخل نطاق سيطرة القوات المسلحة، ولذلك لم تمتد إليها أيدي المليشيا كما امتدت إلى غيرها.
وحين عاد أصحاب المحال، لم يجد بعضهم ما يفعله سوى إزالة الغبار عن بضائعه وفتح الأبواب من جديد.
في تلك اللحظة أدركت أن حماية الأشياء الصغيرة ليست أمراً صغيراً أبداً.
واصلنا السير بمحاذاة اللاماب. آثار الحرب كانت واضحة على عدد من المباني، غير أن المحال التجارية بدأت تستعيد حركتها شيئاً فشيئاً. وبينما كنت أراقب المشهد لفت انتباهي أمر غريب؛ كثرة الصيدليات المنتشرة في المنطقة، كما في الشجرة وغيرها من الأحياء. تساءلت في نفسي: هل لأنها تجارة لا تتوقف؟ أم لأن سنوات الحرب جعلت الحاجة إلى الدواء جزءاً من المشهد اليومي؟
ثم وصلنا إلى شارع الغابة.
هنا كانت المفاجأة.
أين غابة السنط التي منحت الشارع اسمه؟!
اختفت الأشجار التي كانت تشكل علامة من علامات المكان. بدا المشهد وكأن صفحة من ذاكرة الخرطوم قد اقتُلعت من جذورها. شعرت يومها أن الحروب لا تكتفي بقتل البشر، بل تمتد أحياناً إلى الأشجار والظلال والذكريات.
ظهر استاد الخرطوم، وبعد تجاوزه بقليل أوقف رجل مرور الحافلة وطلب من السائق بعض الأوراق الرسمية. لم تكن معه، فطُلب منه إيقاف المركبة.
وبينما كنا نتساءل عن مصير رحلتنا، قال رجل المرور بهدوء: “سوف نتدبر أمركم”.
بعد دقائق انتقلنا إلى حافلة أخرى كانت متوقفة جوار جامعة النيلين.
هذه المرة جلست إلى جوار السائق، وسألته عن الاتفاق الذي جرى بينه وبين السائق الأول.
قال:
“طُلب مني أن أوصلكم إلى أم درمان، على أن يسدد لي زميلي قيمة الرحلة”.
سألته:
“وهل دفع لك شيئاً؟”
قال: “لا”.
قلت متعجباً:
“وهل تعرفه أصلاً؟”
ابتسم وقال:
“لا أعرفه.”
ازداد عجبي: “إذن كيف ستسترد مالك؟”
نظر إليّ بهدوء وقال:
“يا أخي، بعد الحرب تغيرت عندي أشياء كثيرة… ولو عندي نصيب فيها سوف يأتيني لا محالة.”
صمتُّ طويلاً.
وأنا أفكر: أي شعب هذا الذي ما زال يؤمن بالرزق والثقة والناس بعد كل ما مر به؟
بدأ كبري أم درمان يلوح أمامنا بطلائه البرتقالي المألوف، فعادت بي الذاكرة إلى سنوات الجامعة. كنا نعبره جيئة وذهاباً، بينما تنساب من أجهزة الراديو أصوات المذيعين وأغنيات المدينة.
وكان من بينها ذلك المقطع الشهير:
كل البنات أمونة يا خرطوم
معاي ساعة أفتح الدكان
معاي ساعة الدرب بالليل
معاي في البص على أم درمان…
وحين عبرنا الكبري هذه المرة، لم يكن عبوراً جغرافياً فقط.
كنت أرى صورتين في وقت واحد؛ صورة رحلتي القديمة التي استغرقت نصف يوم عبر جبل أولياء، وصورة أخرى أكبر وأسمى، صورة الشهداء الذين عبروا من أم درمان إلى الخرطوم، فبذلوا دماءهم لكي يصبح هذا العبور ممكناً لكل الناس.
رحمهم الله جميعاً وتقبلهم في عليين.
وفي أم درمان كانت لي زيارتان، إحداهما اجتماعية والأخرى أكاديمية، بصحبة الأخوين أباذر الحاج ومحمد الفاتح مجذوب، فكانا خير رفيقين في الطريق.
توجهنا إلى مقر الجامعة بالقرب من استاد الهلال لمتابعة إجراءات الدراسات العليا.
وهناك رأيت مشهداً سيبقى عالقاً في ذاكرتي طويلاً.
سيدة تجاوزت الستين من عمرها كانت تسير على الرصيف، وفجأة لمحَت امرأتين من بائعات الشاي على الجانب الآخر من الشارع. تركت النسوة مكانهن وهرعن نحوها، بينما أسرعت هي إليهن.
التقين في منتصف الشارع.
تعانقن.
ثم ارتفعت أصوات البكاء والحمد معاً.
كان ذلك أول لقاء يجمعهن منذ أن فرقت بينهن الحرب.
في تلك اللحظة فهمت أن المدن لا تُقاس بالمباني ولا بالشوارع.
المدن الحقيقية هي هذه الروابط التي تبقى حية رغم الغياب والفقد والمسافات.
وبالمناسبة…
من لم يتذوق حلوى عبدالله سيد مكي في ميدان المولد قرب بيت الخليفة، فقد فاته شيء من مذاق أم درمان نفسها.
ونواصل بإذن الله… في الحلقة القادمة مع سر الهوى: بحري.

اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

