آفاق رقمية
السليم.. من سوق المحاصيل إلى بورصة إقليمية
(٥/٤)
د. محمد عبدالرحيم يسن
digital.start23@gmail.com
في الحلقتين السابقتين توقفنا عند البنية الرقمية والخدمات الحكومية، وفي هذه الحلقة أنتقل إلى مجال يرتبط مباشرة باقتصاد الولاية وحياة الناس: الزراعة وسوق المحاصيل في السليم.
وللسليم عندي مكانة خاصة، فأنا من هذه المنطقة التي عرفت منذ سنوات بإنتاج المحاصيل النقدية، وعلى رأسها الفول حتى ارتبط اسم المنتج بالسليم، إلى جانب القمح والثوم والشمار وغيرها من المحاصيل التي تتميز بالجودة العالية، كما يمثل سوق السليم مصدر دخل مهما لعدد كبير من شباب المنطقة، الذين يعملون في التجارة والنقل والتخزين والخدمات المرتبطة بالسوق.
ولهذا فإن النظر إلى سوق السليم ينبغي أن يتجاوز فكرة السوق المحلي؛ فهو يمثل نشاطا اقتصاديا يمكن تطويره ليصبح مركزا لتجارة المحاصيل على مستوى السودان، ثم يمتد مستقبلا إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
السوق التقليدي يعتمد بدرجة كبيرة على العلاقات المباشرة بين البائع والمشتري، وقد تتفاوت فيه المعلومات حول الكميات والأسعار والمواصفات، ومع الانتقال إلى المزاد المنظم تتغير دورة السوق؛ يبدأ الأمر بتسجيل المنتج، ثم عرضه وفق مواصفات محددة، ودخول المشترين في منافسة معلنة، وصولا إلى إتمام البيع وتوثيق العملية. وهنا يصبح السعر الناتج عن المزاد مؤشرا لحركة السوق، وتصبح الكميات والمبيعات والمشترون جزءا من بيانات يمكن الرجوع إليها وتحليلها.
وعندما تضاف التقنية إلى هذه الدورة، فإنها لا تلغي السوق التقليدي، وإنما تنظم إجراءاته وتوسع نطاقه. بحيث يمكن تسجيل المنتج والكميات والمواصفات، والإعلان عن المزادات ومواعيدها، وتوثيق نتائج البيع، وبناء قاعدة بيانات لحركة السوق، ومن هذه القاعدة يمكن معرفة حجم الإنتاج، والأسعار، وحركة الطلب، ومواسم الوفرة، والأسواق التي تستقبل المنتجات.
وأستحضر هنا تجربة أسواق مزادات التمور و المواشي والخضر والفاكهة
بمنطقة المدينة المنورة، والتي عملت على تطويرها لا لنقلها كما هي، وإنما للاستفادة من فكرة تنظيم السوق وربط المزاد بالتوثيق والبيانات والتقنية، ثم بناء نموذج يناسب السليم ومحاصيلها وطبيعة تجارتها.
فإذا أصبح لدى سوق السليم نظام رقمي متكامل، يمكن للمشتري من الخرطوم أو بورتسودان أو أي مدينة أخرى أن يعرف الكميات المتاحة ومواصفاتها ومواعيد المزادات والأسعار، ثم يشارك في الشراء وفق الآليات التي تتيحها المنصة، ومع تطور التجربة يمكن فتح المجال أمام المشترين خارج السودان.
وعند هذه النقطة تتحول التقنية من أداة لإدارة السوق إلى وسيلة لفتح السوق.
ويمكن أن تمتد المنظومة إلى الزراعة كذلك، عبر تطبيق مفهوم الزراعة الذكية، بدءا من تسجيل المساحات المزروعة والمحاصيل وربط الإنتاج بالمزارعين، والاستفادة من الخرائط الرقمية وصور الأقمار الصناعية، ومتابعة الموارد المائية، وتوفير المعلومات والإرشاد الزراعي، وربط المزارع بالنقل والتخزين والتمويل والدفع الإلكتروني.
والميزة المهمة أن البيانات المتراكمة من عمليات البيع والمزادات مع الايام ستصبح مصدرا اقتصاديا مهما؛ فمن خلالها يمكن معرفة حجم الإنتاج، وحركة الأسعار، والطلب على المحاصيل، ومواسم الوفرة، والأسواق التي تستقبل المنتجات.
ومن واقع التجارب المماثلة، أرى أن سوق السليم يستحق أن تنظر إليه سلطات الولاية باعتباره مشروعا اقتصاديا قابلا للتطوير، مع إشراك شباب المنطقة وأصحاب المصلحة في صياغة مستقبله، فهؤلاء الشباب يمثلون جزءا أساسيا من النشاط الاقتصادي القائم حول السوق، وتطوير السوق يعني تطوير فرص العمل والدخل والخدمات المرتبطة به.
وقد يكون من المفيد التفكير في مشروع متدرج يبدأ بـسوق محاصيل منظم ورقمي في السليم، ثم يتطور إلى منصة لتجارة المحاصيل، وصولا إلى بورصة محلية للمنتجات الزراعية تخدم الشمالية والسودان، مع إمكانية الانفتاح على الأسواق الإقليمية والعالمية.
وهذا النوع من المشروعات يمكن أن يصبح أحد العناوين الاقتصادية للولاية الشمالية؛ فالسوق ليس مكانا للبيع فقط، وإنما منظومة تجمع الإنتاج والبيانات والتسويق والتمويل والنقل والتقنية.
وإذا وجدت هذه الفكرة الدعم والتخطيط والتنفيذ المهني، يمكن أن تتحول تجربة السليم إلى نموذج يستفيد منه السودان في تطوير أسواق المنتجات الزراعية، ويقدم في الوقت نفسه نموذجا عمليا لكيف يمكن للتقنية أن تنتقل من مكاتب الحكومة إلى المزرعة والسوق والشاب المنتج والتاجر والمشتري.
السليم تملك الأرض والإنتاج والسوق والشباب، وما تحتاجه المرحلة القادمة هو أن نضيف إلى هذه المقومات البيانات والتنظيم والتقنية.
في الحلقة الخامسة والأخيرة، أعود إلى الصورة الأشمل لتجربة التحول الرقمي في الولاية الشمالية، وما يمكن أن نتعلمه منها في بناء نموذج رقمي متكامل يمكن أن تستفيد منه ولايات السودان في مرحلة إعادة البناء.
١ أكتوبر ٢٠٢٦م
