*من “حبيبي جنني” إلى “ما بقدر أبوح”.. رحلة مصالحة الفن عند نعمان علي الله*
بشرى سليمان
نعمان علي الله: شاعرٌ قلمُهُ حنينٌ
كان حبرُهُ أنغاماً.. وكلماته ألحاناً..
هكذا عاش نعمان علي الله، لا يحمل قلماً، بل يحمل وتراً، يكتب به العالم شعراً، ويُنقِدُ به الفنَّ حُبّاً.
من بين أزقة الخرطوم العتيقة، حيث تعبقُ المقاهي برائحة الحبر والورق، خرج صوتٌ يجمع بين رهافة الشاعر وصراحة الصحفي، ليخطَّ سيرةَ جيلٍ بأكمله، جيلٍ كانت فيه الصحافة وردةً في جيب الوطن، والفنُّ نهراً يروي ظمأ الروح.
*_ من شرارة الجدل.. إلى شعلة الإبداع
لم تكن بدايته إلا كلمتين كتبهما استياءاً من أغنية ابراهيم عوض (حبيبى جنّنى) من كلمات ولحن الطاهر ابراهيم والتى اثارت ضجة عند إطلاقها فى العام 1956، فإذا بهما مفتاحاً لعالمٍ أرحب. دخل صحيفة “الأخبار” متأبطاً حلم النقد الجميل، فوجد نفسه بين عمالقة الشعر والغناء، في مدرسة رحمي محمد سليمان، التي كانت تُعلِّم أن النقد ليس مشرطاً، بل مرآة، تُظهر الجمال وتلمّح للتقصير بلطف.
في ذلك المقر المتواضع، حيث كان الشعراء يتحاورون والفنانون يتناقشون، تعلَّم نعمان أن الفنَّ حوارٌ لا حرب، وأن النقد تعبير عن حب لا عن عداء. فكتب عن الأغنية كما يكتب العاشق عن محبوبه، بنقدٍ يبني ولا يهدم، برأيٍ يرشد ولا يجرح.
__ قلمٌ يكتب للوجدان.. وأغنياتٌ تحفر في الذاكرة
لم يكن نعمان مجرد ناقدٍ يراقب من برجه العاجي، بل كان شريكاً في اللحظة الإبداعية، يسكب كلماته في أذن المطرب، فيصير الشعر لحناً، واللحن ذكرى.
. واستأثر محمد حسنين أبوسريع بعدد كبير من قصائد نعمان بحكم الجيرة فى الحي، ومنها؛ ابوعيون كحيلة واغنية قصدك إيه، ثم (ياريت احبك) وايضا الجميل قالو.. واغنية برضو كدا؛
ودعت هواك وليالى لقاك
وحنين يومداك.. برضو كدا؟
اعلنت خصامك.. حرّمت غرامك
وحتى سلامك.. ليه كدا…؟
· للعميد أحمد المصطفى كتب: “أنت مالك ومالي” … فصار الوجدُ أنغاماً.
· وللمطربة مُنى الخير كتب: “سلم” و “من بعيد لبعيد” … فصار الانتظارُ حِكماً.
· ولعبد العزيز محمد داوود كتب: “جفيت ليه” … فصار العتابُ عزفاً.
· وتغنى له ابوعركي البخيت بأغنية (تيهي ياحلوة) من الحان عبداللطيف خضر:
“تيهي يا حلوة، ارقصى وغنى
حِبِّى أهواهو، وحُبو جنّنّى
أهوَى دنياهو، دُنيا تسعدني
غنى ياحلوة، من بديع فني”..
وأطلَّت بينهم ايضا “مشاعل” من شاشة التلفاز بأبياتٍ كالمصابيح، تُضيءُ دروباً للفن قبل أن تُضيء الشاشاتُ ألواناً.
__ مصالحة الزمن.. حين يلتقي الناقد بالفنان
وفي لفتةٍ كأنها من قصص الأدب الجميل، بعد عشرين عاماً من نقده الأول للفنان الذرىّ إبراهيم عوض، إجتمع الاثنان في أغنية: “ما بقدر أبوح.. وما داير أصرّح”، وكأن الفنَّ يهمس: الحوارُ أجمل من الصمت، والمصالحةُ أبقى من القطيعة. لقد فهم نعمان أن النقد ليس سجلاًّ للمواقف، بل رحلة نحو الأجمل.
__ حتى في ديوان البريد والبرق.. كان محاطاً بالنجوم
حين عمل في مصلحة البريد والبرق، لم ينقطع عن فلكه الإبداعي، حيث كانت تغص بالمبدعين من كل لون وحدب. هناك مصطفى سند، ومحمد يوسف موسى، وإبراهيم الرشيد، وعبد الله النجيب، وصلاح مصطفى وغيرهم، فقد كان محاطا بأقمار ونجوم لامعة تضئ في دنيا الأدب والفن، وكأن الأقدار أرادت له أن يظلَّ بستاناً للأفكار، وملتقىً للأرواح المبدعة. فأغدق على الصحافة والإذاعة والتلفزيون بفِكرهِ الثرِّ وذاكِرتهِ الحافظة، ليكون أحد الحُراس الأوفياء لتاريخ الفن السوداني.
_* غاب الجسد.. وبقي الصوت
في 15 يناير 2023، أسلم نعمان علي الله روحه، وشيّعته أم درمان الحنونة إلى مرقدها في مقابر احمد شرفي. لكن صوت الرجل لم يرحل. هو باقٍ في كل أغنيةٍ تتردَّد، وفي كل مقالٍ يُقرأ، وفي ذلك الخيط النوراني الذي واصل نسجه بين جيل الرواد وأجيال الحاضر.
لقد كان نعمان شاهِداً على زمنٍ جوادٍ بالمواهب، وصوتاً للوجدان السوداني الأصيل. غاب عن أعيننا، لكنه ظلَّ حاضراً في أذن الوطن وقلبه، تُذكّرةً بأن الفنَّ الأصيل لا يموت، وأن الكلمة الصادقة خلود.
—
رحم الله نعمان علي الله … كان قلماً يشعُّ أدباً، وروحاً تفيضُ وطناً.

