أبرز التحديات التي خلفتها الحرب في السودان !؟
السفير .د. معاوية التوم
طبيعة العدوان الذي شنته قوات الدعم السريع المتمردة في السودان صبيحة ١٥ أبريل ٢٠٢٣م غير مسبوق في تاريخنا والاقليم من حولنا في حجمه وآثاره. وهي حرب مركبة بدأت بتمرد للإستيلاء على السلطة بالقوة، ثم سرعان ما انتقلت الي حرب، وبعد فشلها في تحقيق أهدافها تحولت الي عدوان مفتوح يستهدف الجيش السوداني والشعب وموارد البلاد وثرواتها على حد سواء. العدوان الذي استمر الي يومنا هذا برعاته الكثر ومنصاته المتعددة التي تضم دول وشبه دول ومنظومات مختلفة بعضها سُميّ، (الإمارات ) هدفت جميعها لتفتيت البلاد وتمزيقها وإفقار شعبها بمشروع تدميري ممنهج وخطط واستراتيجيات أعدتها مراكز استخبارية عالمية متمرسة ستكشف عنها الايام . لكن عراقة الجيش السوداني وتجربته القتالية التي إمتدت لقرن من الزمان ودربة قيادته وصلابة جنوده ، وسندهم الشعبي وتلاحم الامة من خلفهم ، وتوفيق الله ولطفه من قبل ومن بعد جعل أهداف العدوان الماكر عصية على التحقيق رغم عظم الدمار والخراب والكلفة الباهظة التي ترتبت عليه في الأرواح والممتلكات .وبلاشك فان هذا العدوان قاد إلى تحديات معقدة وخطيرة أثرت وتؤثر على مختلف جوانب الحياة في البلاد بمعاناة متعددة الاوجه. أبرزها على النحو التالي:
1. الأزمة الإنسانية: ممثلة في الهجرة الداخلية واللجوء (نزوح الملايين داخليًا وخارجيًا) ،مع تفاقم نقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم والمأوى والخدمات. وتعطل سوق العمل. ومحدودية الاستجابة الدولية للفجوات الملحة التي خلفتها الحرب على كافة الاصعدة، وعجز الجهود الاقليمية والدولية المتحيزة وعالية التسييس في تطويقها .
2. انهيار الاقتصاد: تراجع قيمة العملة، تعطل التجارة والصناعة والمواسم الزراعية، وندرة السلع الأساسية، وحملات السلب والنهب والسرقة لممتلكات المواطنين والابتزاز الذي لازمها، فضلا عن السطو على البنوك والشركات وبمؤسسات الدولة.
3. تدهور الوضع الأمني: اتساع رقعة الحرب وتمددها في عدد من الولايات، و حجم قوات التمرد والمرتزقة والقدرات التسليحية والمعدات والأجهزة والعتاد والمؤن وتقانة الاتصال والإعلام المرافق لهم ، كانت سببا في انتشار العنف، الفوضى، وجرائم النهب والسلب في مناطق الحرب وتمدد رقعتها.
4. تفكك مؤسسات الدولة: انشغال القيادة بساحة الحرب والقتال كأولوية لازمة، وبالمقابل ضعف اداء مؤسسات الدولة في الاضطلاع بدورها ومهامها بسبب حالة الحرب ، عطّل الخدمات العامة، واوشك أن يقود لانهيار تام في البنية التحتية وتحريك عجلة دولاب العمل التنفيذي في حدها الادنى لولا الانتقال الطاري للعاصمة الموقتة بشرق البلاد .
5. التدخلات الخارجية: تأثير القوى الإقليمية والدولية في النزاع، ودس انفها وأجنداتها في دائرة الصراع بحجة الإسهام في الحلول بمقترحات مفخخة،مما عقّد من فرصها، وادخل تعقيدات ومعادلات لم تكن في صالح انهاء الحرب وتفكيك أدواتها ومناصريها بالداخل والخارج .
6. غياب الحلول السياسية: جراء استمرار العدوان وفشل مسارات الحلول المبتسرة و الرؤي القاصرة التي أعملت من قبل بعض الأطراف والمنابر فاقمت من ويلات الحرب. وعقدت صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية شاملة باكرا ، لمساواتها بين الجاني والضحية. ومبدأ (الطرفانية) غير المنصف الذي اعمل من قبل الوسطاء في مساواة الجيش القومي بالتمرد لم يكن يقف على أرجل، وعدم وجود آليات رقابية ضابطة تلزم التمرد بالتزام الهدن ووقف إطلاق النار، لان غاية دعاة الحرب وأربابها من وراء تطوافهم على عواصم الاقليم والعالم، ومحاولات الالتفاف لاعادة إنتاجهم وتسويقهم كانت ترمي الي الكراسي لا الحلول .
7. الأضرار الاجتماعية: عداد الشهداء والقتلى ، والجرحى وحالات الاغتصاب والمفقودين والمعتقلين في سجون التمرد والاحتجاز والاختفاء القسري وغيرها من التمظهرات. أسهمت في ازدياد العداوات القبلية والانقسامات بين مكونات المجتمع السوداني في المناطق الأكثر تأثرا بالجرائم البشعة والفظائع الموصوفة بالقانون الجنائي الدولي والقانون الإنساني الدولي، وانتشار التمرد بين الأوساط الشعبية والإدارات الاهلية ورجالات الطرق الصوفية وبعض التنظيمات المدنية بالرشى والابتزاز الخ.
8. الوجود الاجنبي :بكثافة أعداده وتنوعه جعل هذه الظاهرة التي كانت سابقة للحرب بوقت طويل خطرا ماحقاًً ، وظفت في تغذية وقود الحرب وأدواتها باستخدامات نوعية تحتاج لمعالجة متأنية بالحصر والقوانين والضوابط مستقبلا .
بالتاكيد فإن التحديات تتجاوز هذه الزوايا بكثير ولكن المجال لا يسع لذكرها، وما أوردته هو من قبيل التدليل لا الحصر، لا سيما وان افرازات العدوان في تمدد وما يزال يستخدم خططا مبتكرة وتقانة نوعية في التسليح والمسيرات والراجمات والمدفعية الليزرية بعيدة المدى . لذا فان البلاد بحاجة الي لجنة قومية تضم كافة التخصصات للإحاطة بكنه التعقيدات الناجمة عن هذا العدوان الشامل وكيفية مخاطبتها ومعالجة آثارها على المدى الآنيّ والمتوسط والطويل. وبما ان الحرب لا تزال مستمرة، والوضع يتطلب جهودًا عاجلة لإنهاء النزاع وإعادة بناء السودان ومؤسساته، فان تسليط الضوء عليها وبسطها للتفاكر والمعالجات والخيارات ضرورة ملحة كانت هي بغيتي من وراء هذا السرد المجمل.

