«الأعوام الثقافية 2025».. العرضة والتانغو والكويكا
محمد يوسف العركي
منذ انطلاقتها في العام 2012م ومبادرة الأعوام الثقافية تسعى في كل نسخة أن تعزز التقريب بين قطر وشعوب العالم، هادفةً لكثير من المرامي السامية والمعاني العالية، تشجيعا للحوار وتعميقاً للمفاهيم. وقد وصلت المبادرة الى النسخة الرابعة عشرة في هذا العام تحت قيادة سعادة الشيخة المياسة بنت حمد بن خليفة آل ثاني، رئيس مجلس أمناء متاحف قطر. كانت البداية باليابان في العام 2012م، والنسخة السابقة مع المملكة المغربية لتأتي مبادرة هذا العام 2025 مع دولتي الارجنتين وتشيلي، وأحسب أن الاختيار تم وفق رؤية وروية ورسالة يراد منها انتاج مخرجات تصب في تعميق الأثر الثقافي بين قطر وهاتين الدولتين. وشواهد التاريخ تحكي الأثر العربي المتصل في أمريكا اللاتينية فنجد أن الهجرات العربية الى تلك الدول والذي كان مع نهاية القرن التاسع عشر، وأكثرها من فلسطين وسوريا ولبنان ونسبة ضئيلة من المغرب، ليصل عدد العرب في أحدث الإحصاءات الحالية الى 30 مليون نسمة معظمهم في البرازيل. لم تكن هذه الجماعات المهاجرة منكفئةً على ذاتها، بل أثرت وتأثرت، حتى وصل بعض أحفاد المهاجرين العرب الى أعلى سلم الرئاسة مثل الرئيس الأرجنتيني الراحل كارلوس منعم ذو الأصول السورية والذي حكم من 1989 الى 1999م، والرئيس السلفادوري السابق الياس انطوني السقا الفلسطيني الأصل والذي تولى الرئاسة من 2004 وحتى 2009م. فهذان المثالان يعضدان ما أشرنا اليه من الأثر العربي الفاعل. وبالعودة للعام الثقافي 2025 واختيار دولتي الأرجنتين وشيلي فلابد من الإشارة الى ان عدد السكان أصحاب الأصول العربية في الأرجنتين يقدر بـ 350 ألفا، اما في تشيلي فيقدر بـ 400 ألف. ولهم بصمةٌ ظاهرةٌ في هاتين الدولتين ويمكن ملاحظة ذلك من خلال امتهان العديد منهم لحرفتي التجارة وصناعة النسيج المرتبطتين بالحضارة العربية عبر التاريخ القديم والحديث. كانت استضافة قطر لمنافسات كأس العالم فرصةً ذهبيةً فقد استطاعت الدولة ان توصل من خلالها العديد من الرسائل الثقافية والاجتماعية والتي امتد أثرها حتى اليوم. ولعل مشهد ختام البطولة والذي حمل رسالةً ذات ذكاءٍ وبُعدٍ استراتيجي حينما ألبس حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، كابتن الارجنتين ميسي البشت القطري التقليدي قبل أن يسلمه كأس العالم، ليكون هذا المشهد من أعظم المشاهد اثراً في ختام جميع بطولات كأس العالم لأنه حمل رسائل اجتماعية وثقافية تصدرت عناوين الاخبار ومواقع التواصل الاجتماعي وكان لها أثر ممتد حتى الآن ومن ذلك اختيار قطر كوجهةٍ سياحيةٍ مفضلة في المنطقة. ويستمر توظيف هذا البعد الاستراتيجي الثقافي الذي تمتلكه الدوحة من خلال هذه المبادرة المميزة ومما اعجبني فيها هو تعاون العديد من الوزارات والمؤسسات الرسمية والخاصة ذات الصلة في هذا العمل الكبير. تأتي مبادرة هذا العام مع الارجنتين وتشيلي لنتجاوز حد المعرفة عنهما، والمتصل عند الكثير بكرة القدم (كأس العالم وكوبا أمريكا) الى ما هو أعمق. وذلك من خلال إحياء رصيد الاواصر التاريخية وامتداداتها والفعاليات المختلفة لتحقيق الركائز التي قامت عليها المبادرة (التراث الثقافي، والصناعات الإبداعية، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، والابتكار). فنحن موعودون إذن عبر برنامج يمتد لعامٍ كاملٍ من التبادل الديناميكي والتعاون الإبداعي بمزيجٍ ثقافي يجمع بين البشت والغاوتشو والبنش، لتتجاوب أمواج الخليج في قطر مع العرضة والتانغو والكويكا، وكنوز المتاحف وابداعات المعارض الى جانب الأطعمة التقليدية.. وما خفي أجمل.
نقلا عن صحيفة العرب القطرية

