مشروعية العقوبات الأحادية الأمريكية ضد السودان: بين القانون الدولي وتجربة العراق
السفير.د معاوية التوم
مقدمة
أعادت المزاعم الأمريكية الأخيرة بشأن استخدام السودان لأسلحة كيميائية في الحرب الدائرة في العام ٢٠٢٤ بزعمها، والتي تزامنت مع جولة الرئيس ترامب للشرق الأوسط وتحديدا الإمارات تعيد إلى الأذهان تجربة قصف مصنع الشفاء في ١٩٩٨ والعراق عام 2003. حين بررت الولايات المتحدة غارتها على مصنع الشفاء أنه يقوم بصناعة أسلحة كيمائية وغزوها للعراق بذريعة امتلاك نظامه أسلحة دمار شامل. وهي ذريعة ثبت لاحقًا عدم صحتها. واليوم، تلوّح واشنطن بفرض عقوبات أحادية على السودان دون أن تقدم أدلة قاطعة أو تقارير مستقلة تدعم مزاعمها. يطرح هذا السلوك أسئلة قانونية وسياسية حول مدى مشروعية العقوبات الأحادية خارج إطار مجلس الأمن، والمنظومة العدلية الدولية وجهات الاختصاص فيها ، ومدى التزامه بقواعد القانون الدولي.
أولًا: العقوبات الأحادية في ميزان القانون الدولي
رغم أن للولايات المتحدة سلطة داخلية تتيح لها فرض عقوبات اقتصادية أو سياسية عبر قوانين مثل:
• قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA) لسنة 1977،
• وقانون مراقبة تصدير الأسلحة الكيميائية والبيولوجية،
إلا أن هذه الأدوات القانونية داخلية الطابع ولا تُعد مصدرًا للمشروعية الدولية، بل تتعارض مع مبادئ راسخة في القانون الدولي العام، ومنها:
• مبدأ السيادة الوطنية وعدم التدخل (المادة 2/7 من ميثاق الأمم المتحدة)،
• وحق الدول في التنمية والاستقلال الاقتصادي.
وقد أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة مرارًا في قراراتها العقوبات الأحادية، باعتبارها انتهاكًا لحقوق الإنسان وخرقًا للقواعد الدولية المنظمة للعلاقات بين الدول[^1].وأنه أثر العقوبات دائما يطال الشعوب لا الحكومات .
ثانيًا: مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية دون إثبات
لم تُصدر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) أي تقرير موثق يشير إلى استخدام السودان لمثل هذه الأسلحة، كما لم تُعلَن نتائج تحقيق أممي مستقل بهذا الشأن. وبالتالي، فإن الادعاء الأمريكي يفتقر إلى الأساس الإثباتي، ويفتقر إلى الشرط الموضوعي لفرض أي عقوبات دولية: وهو قيام الدليل الواضح، والتحقيق المحايد، والإدانة الصريحة.
إن اتخاذ قرار بمعاقبة دولة بناء على معلومات استخباراتية غير منشورة أو تحقيقات سرية يضعف مشروعية القرار، ويفتح المجال لتسييس العدالة الدولية، على نحو ما هي عليه الآن. والسودان يخوض سجالا قانونيا مشروعا ضد الإمارات بساحة محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن، وربما يتوجه الي الساحات الاقليمية بموجب رعايتها للحرب المفروضة عليه ارضا وشعبا وحكومة.
ثالثًا: تجربة العراق وسابقة فقدان المصداقية
غزو العراق عام 2003 استند إلى تقارير زعمت امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، خصوصًا تقرير وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول أمام مجلس الأمن في فبراير 2003. غير أن لجان التفتيش التابعة للأمم المتحدة، وعلى رأسها لجنة أنموفيك (UNMOVIC)، لم تعثر على أي أدلة تدعم هذه المزاعم[^2].
وقد اعترف لاحقًا عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم باول نفسه، بأن القرار استند إلى معلومات خاطئة أو مضللة. وبالتالي، فإن مصداقية الولايات المتحدة في قضايا الأسلحة الكيميائية تظل موضع تشكيك دائم.
رابعًا: هل العدالة خاضعة للسياسة؟
فرض عقوبات دون محاكمة عادلة أو تحقيق مستقل يتعارض مع قواعد العدالة الدولية، ويحوّل العقوبات من أداة قانونية إلى أداة سياسية للابتزاز. ويؤكد هذا المنحى تقارير عدة صادرة عن منظمات حقوقية وأممية، مثل:
• المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالآثار السلبية للتدابير القسرية الأحادية، الذي أدان مرارًا تسييس العقوبات وتوظيفها كسلاح ضغط خارج القانون الدولي[^3].
خامسا: الدليل التاريخيّ عند قصف الشفاء
في 20 أغسطس 1998، قصفت الولايات المتحدة مصنع الشفاء للأدوية في شمال الخرطوم بصواريخ “كروز”، مدعية أنه كان يُنتج مواد كيميائية تدخل في صناعة أسلحة دمار شامل لصالح تنظيمات إرهابية، أبرزها القاعدة.
إلا أن هذه المزاعم قوبلت بتشكيك واسع من السلطات السودانية، ومن منظمات دولية، أبرزها الصليب الأحمر، الذي أشار إلى أن المصنع كان ينتج أدوية حيوية لعلاج الملاريا وأمراض أخرى، وكان المصدر الرئيسي لهذه الأدوية في السودان.
ورغم المطالبات من قبل السودان بإرسال بعثة تحقيق دولية مستقلة، رفضت الولايات المتحدة السماح بإجراء تحقيق ميداني، وتمسكت بادعاءاتها دون تقديم أدلة موثقة أو صور أقمار صناعية أو تقارير استخباراتية قابلة للنقاش.
وقد وصف كثير من المراقبين هذا القصف بأنه “جريمة حرب”، واعتبرته منظمات قانونية وحقوقية خرقًا صارخًا للقانون الدولي وللسيادة الوطنية السودانية.
تمثل هذه الحادثة نموذجًا واضحًا على ما يلي:
• فرض الولايات المتحدة إجراءات عقابية أو عسكرية استباقية دون تحقيق أو محاسبة.
• رفض الخضوع للمساءلة الدولية.
• تكرار النهج ذاته في قضايا ادعاء استخدام أسلحة كيميائية، كما في العراق (2003)، واليوم مع السودان. بهذا التضمين، عن قصف مصنع الشفاء بالخرطوم، تصبح المزاعم الموجهة من قبيل الكيد والتحرش السياسي ، ويبقى موقف السودان أكثر صدقية وترابطًا وأقوى في حجته القانونية والتاريخية.
خاتمة:
العقوبات الأحادية المفروضة على السودان بدعوى استخدام أسلحة كيميائية – دون وجود إثبات منشور أو تحقيق أممي – تفتقر إلى المشروعية الدولية، وتكرّس نمطًا أمريكيًا مقلقًا في تسييس العدالة الدولية، وتعيد إلى الأذهان التجربة الكارثية لغزو العراق. لم تشفع فيه حسن النية التي أبداها السودان وتعاونه المطلق مع الولايات المتحدة في محاربة الارهاب،بشواهد موثقة في التعاطي الثنائي الموجب.
وإن كان من الضروري محاسبة من يستخدم أسلحة محرمة دوليًا، فإن ذلك لا يجوز أن يتم عبر إجراءات انتقائية وأحادية ومفتقرة للمشروعية القانونية. وما تضمنه بيان الخارجية السودانية ورئيس الوزراء الجديد في هذا الصدد يعضد موقف السودان الرافض للمزاعم والشواغل الأميريكية غير الموثقة ويستنكرها جملة وتفصيلا. سيما وأن الأخيرة تجنبت تماما أن تطرحها عبر الآلية الدولية المختصة والمفوضة بهذا الأمر – المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي والتي تضم كلا البلدين في عضويتها بل إن السودان يتمتع بعضوية مجلسها التنفيذي. ولم تقدم المؤسسة الدولية على إعلان اي تحقيق أممي لهذه الناحية حتى تاريخه. لذا ينبغي للمجتمع الدولي أن يسعى لاعمال ما يمنع مثل هذه التوجهات الاحادية الجائرة واقرار نظام عقوبات قائم على التحقيق المحايد، وقرارات جماعية، واحترام سيادة الدول، لا على الهيمنة أو التقديرات الاستخباراتية غير المثبتة. وأن الجيش السوداني قوات مهنية احترافية تجاوز تأسيسها ال ١٠٠ عام يلتزم حرفيا بالاتفاقية الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية،ويطبق بنودها ويراعي حرمتها.

