منطق
طيف المتنبي في معرض الدوحة للكتاب 2025 (2-2)
محمد يوسف العركي
بدأت زيارتنا الثانية للمعرض في هذا اليوم باكراً وبذلت جهداً كبيراًفي أن اقنع المتنبي أن يرتدي النظارة ثلاثية الأبعاد في جناح الأوقاف القطرية ، فقال لي : كيف لابي الطيب ان يخلع عمامته من اجل ارتداء هذا الشيء الغريب؟!، وماذا تقول العرب عني بعد ذلك وانا القائل:
أنا ترب الندى ورب القوافي
وسمام العدى وغيظ الحسود
أنا في أمة تداركها الله
غريب كصالح في ثمود
لفت نظر المتنبي تصميم بديع فكان ذلك جناح دار الكتب القطرية وطاف الشاعر الكبير بصحبة القائمين على الدار،وتوقف أمام شاشة وتعجب من أن هذا الشيء يمكنه أن يؤلف شعراً فقال لي: عرفنا أمس أن الذكاء الاصطناعي قد التقط لي صورة.. فهل يقول الشعر أيضا؟! ثم هب أنه قد أحسن القريض فأين القريحة والوجدان؟!.
لفت نظر المتنبي ذلك المبنى التاريخي فقال لي لعلها أسواق دمشق اليس كذلك؟ فأجبته بنعم : هو سوق الحلبوني سيدي الكريم ، وهو سوق كبير للكتب يبدأ من الكتب المرصوفة على الأرض وصولاً لدور النشر وأخذ يتجول داخل الجناح وهو ينشد:
وَلَوْ كانَتْ دِمَشْقَ ثَنى عِنَاني
لَبِيقُ الثّرْدِ صِينيُّ الجِفَانِ
يَلَنْجُوجيُّ ما رُفِعَتْ لضَيْفٍ
بهِ النّيرانُ نَدّيُّ الدّخَانِ
تَحِلُّ بهِ عَلى قَلْبٍ شُجاعٍ
وَتَرْحَلُ منهُ عَن قَلبٍ جَبَانِ
مَنَازِلُ لمْ يَزَلْ منْهَا خَيَالٌ
يُشَيّعُني إلى النَّوْبَنْذَجَانِ
إذا غَنّى الحَمَامُ الوُرْقُ فيهَا
أجَابَتْهُ أغَانيُّ القِيانِ
وبينما نحن في تطوافنا نلمح الندوات والمحاضرات والمسابقات فرأينا الأطفال فقال مرافقنا: إن الأطفال قد خصص لهم جناح وبرنامج مصاحب مقتبسُ من شعار المعرض لهذا العام (من النقش الى الكتابة).
وجدنا عدد من الشاشات يمكنك من خلالها البحث عن دار نشر او عنوان كتاب فقال لي اكتب اسمي لنرى، فكتبت المتنبي فظهرت لنا ثمانون عنواناً مختلفاً ما بين دواوينه ومن كتبوا عنه في مختلف الفروع الأدبية والنقدية القديمة والمعاصرة. فلو اهدتنا كل دار نشر كتاباً واحداً لتعب الحمالون و لعدنا الى مكان اقامتنا بعربة نقل كبيرة.
كان للصالون الثقافي حظاً من زيارة ابي الطيب المتنبي حيث ضاق المكان تماماً مما اضفى عبئاً على المنظمين والمتطوعين والقى من على منصة الصالون قصيدته الشهيرة:
عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ
وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ
يُكَلّفُ سيفُ الدّوْلَةِ الجيشَ هَمّهُ وَقد عَجِزَتْ عنهُ الجيوشُ الخضارمُ
زرنا بعدها المسرح الرئيس ووقتها كان الشاعر عبدالحميد اليوسف يقدم ليلةً شعريةً فطلب من ابي الطيب أن يعطر هذه الليلة ولو بجزء من قصيدة فاستجاب شاعرنا الكبير ثم أنشدهم:
أنَا الذي نَظَرَ الأعْمَى إلى أدَبي.. وَأسْمَعَتْ كَلِماتي مَنْ بهِ صَمَمُ
أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا.. وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ
وَجاهِلٍ مَدّهُ في جَهْلِهِ ضَحِكي.. حَتى أتَتْه يَدٌ فَرّاسَةٌ وَفَمُ
الخَيْلُ وَاللّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني.. وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُ
صَحِبْتُ في الفَلَواتِ الوَحشَ منفَرِداً.. حتى تَعَجّبَ مني القُورُ وَالأكَمُ
وغادرنا بعدها المكان وطيف أبو الطيب المتنبي ما زال يرافقني وحينما حانت لحظة الوداع ودعته ببيت شعرً له:
يامن يعز علينا أن نفارقهم….. وجدانا كل شيء بعدكم عدم
arakidoha@yahoo.com

