واشنطن بين اختبار الخرطوم وذاكرة كينشاسا–كيغالي: هل تدفع ثمن السلام في السودان؟
تحليل سياسي
السفير،د.معاوية التوم
مدخل افتتاحي: الدخان ذاته.. والسؤال ذاته
على خلفية ما رشح عن وزير الخارجية الأميريكية روبيو أن السودان ضمن اهتمامات بلاده ، والاجتماع الرباعي الذي عقد بواشنطون على مستوى وزراء خارجية امريكا ، السعودية ، الإمارات ومصر لايجاد حل للحرب التي تدور رحاها في السودان منذ أبريل ٢٠٢٣. فالخرطوم تماثل ما كان يجري في كينشاسا، فالدخان يتصاعد، والدماء تغطي الأرض، والنازحون واللاجئون يملؤون الطرقات بحثًا عن ملاذ آمن. وبينما تتكرر المشاهد، تتكرر الأسئلة: هل الولايات المتحدة، التي صنعت السلام في مناطق ملتهبة من العالم، جاهزة اليوم لإنهاء الحرب في السودان؟ أم أن الخرطوم ستبقى رهينة لعبة المحاور الدولية والإقليمية؟
واشنطن وصناعة السلام: من إفريقيا إلى الشرق الأوسط
للولايات المتحدة سجل بارز في فرض حلول سياسية ومعادلات سلام “غير مثالية لكنها ضرورية”:
• في إفريقيا الوسطى، كانت الضغوط الأمريكية حاسمة في اتفاق كينشاسا–كيغالي الذي أوقف الحرب بين الكونغو ورواندا وأنهى وجود حركة 23 مارس المتمردة، عبر مزيج من الجزرة والعصا: دعم تنموي للحكومات ونزع سلاح الجماعات المتمردة.
• في تونس، دفعت واشنطن باتجاه تسوية سياسية أنهت التمرد المسلح وانتزعت السلاح من الفصائل الخارجة عن القانون.
• في الشرق الأوسط، فعلت حلولا عملية في سوريا ورفعت عنها العقوبات، بل رعت أكثر من جولة سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، رغم تعثر الكثير منها وما تزال تعمل لاجل وقف الحرب في غزة . وقد أوقت شرارة الحرب بين الهند وباكستان ، وجاءت بوقف إطلاق النار بين إسرائيل وايران وهي تلعب دورا كبيرا لايجاد حل للحرب الروسية الاوكرانية.
هذه النماذج تؤكد قدرة واشنطن على التدخل بفاعلية، لكنها تكشف أيضًا عن شرط أساسي: أن ترى في النزاع تهديدًا مباشرًا لمصالحها أو مصالح حلفائها.
السودان في حسابات واشنطن
رغم تصاعد الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية، إلا أن سياسة واشنطن حتى الآن تتسم بعدم الوضوح والتردد:
• الملف السوداني يظل ثانويًا أمام أولويات أخرى كأوكرانيا وتايوان.
• ربما بضغوط الشركاء الاقليمين ومثالهم المتعارضة ، او غياب شركاء محليين موثوقين يعيق أي خطة أمريكية متكاملة لإنهاء النزاع.
• التشابك الإقليمي والدولي (أدوار الإمارات، روسيا، وآخرين ) يزيد تعقيد المشهد أمام صانع القرار الأمريكي.
⚖️ استحقاقات سلام السودان: دروس من كينشاسا–كيغالي
نجاح واشنطن في هندسة سلام مشابه لما حدث بين كينشاسا وكيغالي يتطلب:
إرادة سياسية حقيقية للضغط على الأطراف السودانية والإقليمية.
إستراتيجية واضحة لنزع السلاح وتسريح المليشيات ودمجها في مؤسسات الدولة.
ضمانات مالية وإنسانية لإعادة الإعمار ووقف تغذية النزاعات.
في النموذج الكونغولي، لعبت الولايات المتحدة دور الوسيط الضاغط والمحفز، لكنها أيضًا وظفت شبكة حلفائها الإقليميين والدوليين لإنجاح الصفقة.
السودان: التحدي الأكبر لواشنطن
السودان بموقعه الجيوسياسي وموارده وإمكاناته وتاريخه ، ومعاناة شعبه الممتدة لعقود ، يستحق أن يتصدر اجندة السلام الأميريكية واهتماماتها السلمية في الشرق الأوسط وأفريقيا ،بعيدا عن لعبة المصالح وتقاطع الإرادات . فالسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن تطبيق النموذج ذاته في السودان؟
• ربما، إذا أصبح البحر الأحمر مهددًا بفوضى شاملة تؤثر على الملاحة الدولية.
• ربما، إذا ضغطت دول إقليمية في الجوار السوداني لاجل أمن البحر الأحمر وأفريقيا لإيجاد مظلة سلام دولية.
• لكن التحديات تبقى هائلة في ظل هشاشة الداخل السوداني وتعدد مراكز القوى الإقليمية المتدخلة.
خلاصة: الفرصة الضيقة
حتى الآن، تبدو واشنطن مترددة او غير جاهزة لدفع الثمن السياسي والمالي لإنهاء حرب السودان لجملة اعتبارات تحمل اشارات متقاطعة وتفسيرات لا تخلو من شكوك وهواجس . لكنها تدرك أن ترك النزاع دون حل قد يؤدي إلى كلفة أكبر لاحقًا، تمامًا كما حدث في رواندا قبل ثلاثة عقود.إذا أرادت أمريكا سلامًا في السودان، فعليها التحرك بسرعة لرسم معادلة “سلام عادل وشامل ومستدام مقابل نفوذ” على غرار كينشاسا–كيغالي، وإلا فإن الخرطوم بما يجري داخلها وحولها قد تتحول إلى ساحة استنزاف جديدة تعيد رسم خرائط المنطقة. حتى اللحظة، الولايات المتحدة ليست على مستوى الجهوزية الكاملة لإنهاء حرب السودان واستحقاقاتها؛ إلا إذا ارتفعت كلفة التردد السياسي بالنسبة لها أو تعزز تحالف إقليمي قادر على مساندتها في المعالجة المستدامة وتبعات إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
لكن بوجود تحركات أمريكية أولية وضغوط إنسانية متزايدة، قد نكون أمام نافذة فرص ضيقة لتدخل أكبر قد يبدأ بنزع فتيل التصعيد ويمتد لاحقًا لانفاذ تسوية سياسية شاملة يأملها اهل السودان، ومن يدركون قدرات هذا الشعب الذي ضمد امام كل الأعاصير رغم الحروب والضغوط وحملات التمزيق والكلفة التي أنتجتها حرب ال دقلو ورعاتهم .

