شكرًا مصر
فؤاد قبّاني
القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، والخرطوم تقرأ. إذًا فالمواطن السوداني مهتم بالمعرفة والعلم والثقافة. وقد وجدنا آباءنا يقرؤون مجلة “الهلال”، و”روز اليوسف”، و”صباح الخير”، وحتى “البعكوكة” و”ألف نكتة ونكتة”، وهي كتب النكت الضاحكة التي كانت تصل إليهم، يقرؤونها ويتبادلونها.
والأفلام المصرية أيضًا – الأبيض والأسود – كانوا يصحبوننا لمشاهدتها يوم الخميس. وكنا نوفر من مصروفنا لشراء مجلتي “ميكي” و”سمير”. وعندما كبرنا وتدرجنا في العمر، قرأنا لنجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، وتوفيق الحكيم. وأذكر أن الكتاب المقرر علينا في امتحان دخول الثانوية كان كتاب “الأيام” للدكتور طه حسين. كنا نسعد بقراءة الكتاب وبعد فترة نشاهده في السينما.
كانت الثقافة سودانية مصرية، والقواسم المشتركة كثيرة. البعثة التعليمية المصرية في السودان لعبت دورًا محوريًا في التعليم الإعدادي والثانوي. أما جامعة القاهرة – فرع الخرطوم – فكان لها القدح المعلى في التعليم الجامعي، والجامعات المصرية تستضيف الآلاف من الطلاب السودانيين سنويًا.
كانت مصر – ولا زالت – تهتم بالشأن السوداني. وكان الأزهر يرسل بعثات مشهورة في شهر رمضان، تغطي جميع أنحاء السودان وعظًا وإرشادًا، ودروسًا في الفقه والسيرة.
رغم الألم والضيق والجرح الغائر في النفوس خلال سنوات الحرب والنزوح، إلا أن الذين نزحوا إلى مصر وجدوا أخوّةً صادقة، ونفوسًا طيبة، وقلوبًا حنونة، وصدورًا مشروحة. وكانت الأريحية وإقتسام اللقمة والمكان، حتى المدارس سُمِح لها أن تفتح أبوابها بمسمياتها، حتى لا يتضرر الطالب السوداني.
لا أود أن أتحدث عن ما عاناه الشعب المصري نتيجة هذه الاستضافة، من ارتفاع في أسعار كل شيء، حتى السكن. ولا أريد أن أُقصم ظهر الشعب المصري أو أنقص أجره. بل أقول لهم كما يقول أهلنا في السودان: “إن شاء الله يوم شكركم ما يجي.”
مصر بلد العلم والمعرفة، هكذا أقول دائمًا لمن قدم في زمن الحرب. وأقول للطبيب، والعالم، والمهندس، والمحاسب، وكل أصحاب الوظائف: يجب أن يزدادوا علمًا. وأقول لأصحاب الحرف والصنايعية: يجب أن يزدادوا مهارة ومعرفة. ومن عاد من مصر ولم يزدَد علمًا ومعرفة، فقد ضاعت فترته التي قضاها هناك سُدى.
اليوم، زيارة دولة رئيس الوزراء إلى الشقيقة مصر، ومصر – كما نعلمها – يمكن أن تلعب أدوارًا كثيرة ومؤثرة في الصراع الدائر، وفي مستقبل السودان القادم، في مجالات التنمية والإعمار.
فنتمنى أن يتجه سعادة رئيس الوزراء إلى ملفات الطرق والكباري الجديدة، والمشاريع الزراعية المشتركة، ومشاريع حصاد المياه، ومشاريع سكر البنجر، ومشاركة فعلية من القطاع المصرفي، لأن ذلك سيسهّل عملية الإعمار في التطوير العقاري والصناعي.
وأنا على ثقة أن بوابة مصر التي فُتِحت لنا في الحرب، ستكون بوابة نحو التنمية والإعمار. شكرا مصر .

