سوق أم درمان كما رأيته قبل الحرب، وكما تخيَّلته عقب اشتعالها (8/3)
د. النور الكارس
تنويه:
الصُّور المُرفَقة توثِّق مشاهد حيَّة التقطها المصوِّر نادر الطيب خلف الله أثناء تصوير الفيلم الوثائقي “سوق أم درمان، معمِّر لا يشيخ”، وهي تجسِّد بعض اللَّحظات والوقائع التي ورد ذكرها في هذا الجزء من المقال.
(3)
بعد خروجي من سوق اللُّحوم والخضار، عرَّجت قليلاً على سوق الأسماك، حيث تعبق الأروقة بسحب من البخور، التي يحرص الباعة على إشعالها في متاجرهم، تلك المحالّ العتيقة التي تُعرض فيها شتى أنواع الأسماك، بل، وقد يجد الزائر في إحدى زواياها تمساحاً تعيس الحظِّ ضلَّ طريقه إلى شباك الصَّيادين.
قبيل افتقادي لشذى البخور، ولجتُ سوق الطيور؛ ذلك الفضاء النرجسي الذي تعلوه شقشقة العصافير الممتزجة بهديل الحمام، ذلك اللحن الطبيعي الذي تتداخل معه نقنقة الدجاج الملحاح، لتُضفي على المشهد السمعي -البصري نغمةً جديدة، تُحيله إلى سيمفونيَّة ريفيَّة آسرة.
ممر الابداع:
وما إن غادرت سوق اللُّحوم بألوانها المختلفة، حتَّى وجدت نفسي تائهاً في زقاقٍ ساحرٍ، تنضَّح محاله المشرئبَّة بمنحوتات مدهشة. إنَّه الشارع الضيِّق المعروف ب “ممر الإبداع”، حيث تقع معارض الأناتيك، متباهية بمعروضاتها الزاهية، مطلَّة على طريق يؤدِّي إلى سوق الحرفيين.
سوق الأناتيك، زره خالي الوفاض، و سيفيض عليك بجماله الخلَّاب؛ إذ ستجده مفعماً بعشرات المعارض الأنيقة، و آلاف التُّحف البديعة، فضلاً عن وجوه السياح المتسمِّرة بدهشة أمام المنحوتات العاجيَّة والخشبيَّة، التي تتنوَّع بين أخشاب المهوقني، والتيك، والأبنوس، وتتبارى مجسَّماتها الرَّشيقة و نظراتها السَّاهمة في اجتذاب الانظار.
و كما يحيط السّوار بالمعصم، تُطوِّق ورشُ الخرَّاطين المعارض، في علاقةٍ دائريَّةٍ تُشبه علاقةَ مدَّ البحر بجزره؛ فالمعارضُ تتزوَّد بتحفها من هذه الورش، ثمَّ تعود إليها بعائداتها لشراء المواد الخام، التي يُحوِّلها الفنِّيون المهرة إلى تحفٍ بهيَّةٍ، تتطلَّب دقَّة ومهارة في تصنيعها، مضافاً إليهما عسلُ الإبداع الشَّهي وملحُ الصَّبر المرير.
إلى جانب المنحوتات الخشبيَّة والعاجيَّة، والحلي والأواني الفضِّيَّة، راقني كثيراً ذلك الحراك النَّشط لحرفيين مبدعين يقضون ساعات اليوم في صناعة الأحذية، والأحزمة، والحقائب الجلديَّة من جلود الحيوانات البرِّيَّة كالنِّمور، والتَّماسيح، وثعابين الأصلة الضخمة.
للأسف، تُهدِّد هذا السُّوق عواملُ عدَّة بالاضمحلال، إن لم نقل بالفناء؛ من بينها قلَّةُ الطَّلب على منتجاته الإبداعيَّة، نتيجةً لتغيُّر الأذواق، وميول المشترين نحو المنتجات المستوردة زهيدةِ الثَّمن، بالإضافة إلى تضاءل العرضُ بفعل القوانين الصَّارمة التي تحظر صيد بعض الحيوانات البرِّيَّة المهدَّدة بالانقراض.
توقَّفتُ للحظات ب “ممر الإبداع”، وتحدَّثتُ إلى نفسي في شبه همس:
أليس من الجدير أن نمدَّ لهذا السُّوق الإبداعيّ العتيق يد العون، وننقذه من براثن النسيان؟ فكلُّ زاوية فيه تحكي قصَّةً مؤثِّرةً من صبر الأيادي، وعبق التُّراث، وجمال الروح السُّودانيَّة حين تتجسَّد جميعها في منحوتةٍ رائعة أو سُبحةٍ وضيئة أو قطعةِ خشبٍ أُلبست حلَّةً من الإبداع. إنَّه ليس مجرَّد سوق، بل متحفٌ حيٌّ يتنفَّس فنَّاً أصيلاً صادقاً، ويستحق -عن جدارة- أن يُصان كما تُصان الذَّاكرة.
وأثناء تجوالي النَّهم، مررتُ بشجرة نيم شحيحة الظِّلِّ، يجلس تحتها ترزيٌّ يحيك قطعةً جلديَّةَّ تشبه لوح طلَّاب الخلاوي. وعندما اقتربتُ منه أكثر، وسألته بفضول، أدركتُ من إجابته اَّنَّ السُّوق يضمُّ ترزيَّةً مختَّصِّين في قصِّ الجلود إلى رقعٍ هندسيَّةٍ متعدِّدةِ الأشكال، تتحوَّل لاحقاً- بأيدي مبدعين آخرين- إلى قطعٍ فنِّيَّةٍ متألقة؛ بعضُها يتشرَّف بحمل آياتٍ قرآنيَّةٍ كريمة، بينما يزدان البعض الآخر برموزٍ وطنيَّةٍ وتراثيَّةٍ بديعة.
وفي عمق السُّوق، صادفتُ حرفيَّاً آخر يُعالجُ قطعةَ جلدٍ مختلفةٍ في الشَّكل، والنَّسيج، والسُمك، والقوام. أدهشني صمته النَّاطق، وهو يحوَّلها بمهارةٍ حاذقةٍ إلى خُفيَّن خفيفين، يزيِّنُهما الصُّوفُ ويعلوهما البهاء.
دخلت بعد ذلك محلَّاً مختصَّاً في بيع المصنوعات الجلديَّة بأصنافها المتنوِّعة. تنهَّدتُ بعمق، وازدَرتُ ريقي بمرارة، ثمَّ تمتمتُ بيني وبين نفسي في جزع، وأنا أتأمَّل إبداعات بلادي الجلديَّة المدهشة التي يُكبِّلها حظُّها العاثر، وقلت بصوت مبحوح: ليت كلَ الجلود السودانية تُصنَّع محلِّيَّاً بدلاً من تصديرها خاماً في مشهدٍ مؤلم يقطِّع نياط القلب، لا يُرضي صديقاً، ولا يُفزِعُ عدوَّاً.
والأكثر إيلاماً أنَّ كثيراً من جلود الأضاحي والمناسبات الاجتماعيَّة -بشقَّيها المُفرِح والمُحزِن- تُلقى في قارعة الطَّريق؛ فتغدوا وبالاً على صحَّة البيئة، وحسرةً على عافية الاقتصاد.
وبينما كنت أتأمَّل المصنوعات الجلديَّة التي تملأ المكان، طغى عبق التَّاريخ على رائحة الجلود المدبوغة، فتذكَّرت أنَّ لأم درمان تاريخاً عريقاً في صناعة الجلود، تشهد عليه أسواق الدباغة القديمة، تلك التي تدلُّك عليها رائحتها قبل أن تقع عليها العين.
وقبل مغادرتي سوق الحرفيين متوجِّهاً نحو سوق العدَّة، استوقفني رجلٌ خمسيني يفترش الأرض، يعالج قطعة صغيرة من الجلد، سألته عن اسم حرفته، فقال دون أن يرفع رأسه:
“هذه حرفة الجلادة”.
إنَّها حرفة عتيقة في أم درمان، تُعنى بصناعة أغماد الأسلحة، من البيضاء كالمدي والسيوف، إلى النَّاريَّة كالمسدسات والبنادق.
بقيتُ أتامَّل صنيعه، وقد صبغ غُمدَ سكينٍ معقوفةٍ بالأحمر، وزخرفه بحرفيَّةٍ عالية، مستخدماُ أداة ًرفيعةً حفر بها الجلد بلمساتٍ أبهرتني، وحملتني على أمواج دهشتها، ثمَّ ألقت بي على الضِّفة الشمالية من سوق العدَّة، ذلك السُّوق المائج الذي، رغم صخبه المحبَّب، لم يطفئ في داخلي صدى صوت جبران خليل جبران، وهو يصدح في الأجنحة المتكِّسِّرة:
“إن فرَّقتنا الحياة على وجه هذا البحر الغضوب، فالأمواج تجمعنا في ذلك الشَّاطئ الهادئ.”
لكن سوق العدَّة خذلني، حين خرق نرجسيَّة جبران بقعقعة أوانيه الرنانة، وضجيج روَّاده الحاد.
يتبع…
مع تحياتي،
د. النور الكارس

[contact-form][contact-field label=”الاسم” type=”name” required=”true” /][contact-field label=”البريد الإلكتروني” type=”email” required=”true” /][contact-field label=”الموقع” type=”url” /][contact-field label=”رسالة” type=”textarea” /][/contact-form]

