أهو كلام والسلام
حصاد المياه
فؤاد قبانى
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (صدق الله العظيم).
السودان هو الدولة التي يمر فيها النيل العظيم، ويشق وسطها كأطول مسافة يقطعها في دولة من منبعه إلى مصبه. ونجد أن أغلب السكان الذين يعيشون على ضفافه يستغلون مسافة من كيلومترين إلى ثلاثة في سكنهم وزراعتهم بين طرفي النيل، عدا المشاريع المروية في الجزيرة والمناقل والقربة ودلتا القاش ودلتا طوكر، وهذه تمثل الزراعة المروية في السودان. كما أن هناك زراعة مطرية في مشاريع الزراعة الآلية في ولايات كردفان والقضارف والنيل الأبيض، إضافة إلى زراعات الأهالي المطرية المتفرقة حول القرى والفرقان.
هناك كميات كبيرة من المياه تهطل من الأمطار في أرض السودان الشاسعة، وأخرى تأتيه عبر الحدود من الخيران والأودية، غير النيلين الأبيض والأزرق. فخور أبو حبل يشق إقليم كردفان وينداح في منطقة تندلتي والسكيران، وخور أربعات، ووادي هور، ووادي الملك، وأبو زعيمة، وأزوم… وهي كثيرة، ولا تكاد تخلو ولاية من وادٍ أو خور كبير. لكن الاستفادة من معظمها لا تتجاوز 5%.
كمية الأمطار في السودان كبيرة، تتدرج من الشمال الصحراوي لتصل إلى 260 ملم في الوسط، وتستمر بالزيادة حتى تبلغ 700 و800 ملم في الجنوب. لكن هذا الكم الهائل من المياه يضيع معظمه في السهول والوديان اليباب، ويُقدَّر بما يقارب 440 مليار متر مكعب.
السودان يمتلك الأراضي الواسعة المنبسطة، والمياه الوفيرة، والعقول والخبرات في مجال المياه، لكننا نفتقد إلى التخطيط والثقة في أنفسنا ومقدراتنا. في مجال المياه، هناك المئات من الدراسات الجادة من خبراء وعلماء بلادي للاستفادة من هذا الكم الهائل في حصاد المياه واستخدامها في الزراعة ومشاريع الإنتاج الحيواني، ووقف الجفاف والتصحر من الرمال التي تبتلع الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة بزحف يبلغ مداه خمسة كيلومترات في العام.
لكي نخرج من هذا النفق، على الدولة أن تلعب دورًا رائدًا في مجال التخطيط الاستراتيجي ليقود البلاد إلى تنمية مستدامة، ولن تكون هناك تنمية مستدامة ما لم نستفد من مياه الأمطار عبر إنشاء سدود على الأودية والخيران الكبيرة التي يصل عددها إلى حوالي 40 مجرى مائي وخور ووادٍ.
الماشية في مناطق كثيرة من السودان تجد مشقة في الحصول على الماء والكلأ، ولذا يحدث التنقل والتجوال جنوبًا وشمالًا بحثًا عن الماء والعشب. وهذه الحركة هي إحدى أسباب مشاكل السودان منذ الاستقلال؛ إذ تنشأ صراعات بين المزارعين والرعاة وتتحول إلى حروب وثارات بين القبائل، مما يهدد الأمن والسلم في تلك المناطق. وكلما كانت الأودية والخيران المستهدفة مثل وادي هور، ووادي الملك، وأبو زعيمة، وأبو حديد، وهي التي تمر عبر مناطق صحراوية أو شبه صحراوية أو سافنا فقيرة، فإن قيام السدود عليها يمكن أن يوسع مساحة الرعي وتربية الحيوان. وعلى الدولة أن تخطط للراعي السوداني ليخرج من دائرة الرعي التقليدي الذي يُتعب الحيوان ويضعفه ويقلل نسبة الاستفادة من لحومه وألبانه.
علينا أن نفكر بصورة جادة للاستفادة من كميات مياه الأمطار التي حبانا الله بها. فلو نظرنا إلى نصيبنا في مياه النيل فهو 18.5 مليار متر مكعب، بينما نصيبنا من الأمطار التي قسمها الله لنا يبلغ 440 مليار متر مكعب. لذا، على الدولة أن تستعين بعلمائنا وخبرائنا في مجال المياه. فهذا زمان الحوجة إليهم، وعلينا أن نُخلِص النية قولًا وعملًا. فاستووا يرحمكم الله.

