أحمد عبد الرحيم مكاوي المدير العام للدار السودانية للكتب يكتب( لحواس )
الدار السودانية للكتب… حكاية صمود وانتصار للثقافة والفكر .
تعرضت الدار السودانية للكتب لسرقة وتخريب ممنهج من قِبل مليشيا قوات الدعم السريع المتمردة، إذ فُقدت كتب نادرة تصل قيمتها إلى مئات الآلاف من الدولارات، من بينها مصاحف نادرة برواية ورش وكتب إسلامية ووسائل تعليمية للأطفال وكتب مدارس وكتب جامعية بالإضافة للكتب التراثية. كما تعطّلت بنيتها التحتية بالكامل؛ فقد دُمّر النظام الكهربائي بالكامل وسُرقت المولدات والكابلات والمكيفات.
ورغم الدمار الذي خلّفته الحرب، لم تنطفئ جذوة الأمل. فقد كان المشهد قاسيًا: رفوف مبعثرة، كتب ممزقة ومسروقة، بنية تحتية مهدمة، وغبار الحرب الذي خيّم على المكان لأكثر من عامين. لكن وسط هذا الركام بدأ كفاح صعب لإعادة الترتيب والتنظيم، خطوة بخطوة، بسواعد مؤمنة بأن المكتبة ليست مجرد جدران وكتب، بل ذاكرة وطن وروح شعب.
لقد استغرق الأمر صبرًا طويلًا وإصرارًا نادرًا؛ تنظيف الرفوف، فرز الكتب حسب الموضوعات، إصلاح ما يمكن إصلاحه، والبحث عن بدائل لتعويض ما فُقد. كان الطريق محفوفًا بالتحديات، من انقطاع الكهرباء والمياه في المنطقة، لكن العزيمة كانت أقوى من اليأس، والإيمان برسالة الكتاب كان هو الوقود الذي أعاد للدار أنفاسها.
وهكذا تحوّل الألم إلى دافع، والفقد إلى منطلق جديد، لتعود الدار السودانية للكتب شاهدًا على أن الثقافة قد تُقهر لكنها لا تموت، وأن الكتاب سيبقى حاضرًا مهما اشتدت العواصف. فالدمار والخراب لا يدومان طالما هناك أيادٍ تبني وتعمر.
وبعد أكثر من عامين من الإغلاق الاضطراري، أعيد افتتاح الدار السودانية للكتب في قلب الخرطوم، بحضور وزير الثقافة بولاية الخرطوم، في مشهد يمثل بارقة أمل وانتصارًا ثقافيًا في مواجهة محاولات محو ذاكرة الأمة. لقد استعادت الدار مكانتها كمركز إشعاع معرفي في العاصمة، وتجسّد عودتها قوة الثقافة وصمودها أمام ويلات الحرب والتدمير، ونصرًا للتراث والذاكرة الجمعية، ورسالة واضحة بأن الكتاب سيبقى منارة للنهوض.
وستظل المكتبة منارة للعلم والمعرفة والثقافة، وملتقى يجمع المجتمع السوداني تحت مظلة الحب والسلام. فلن تتطور أي أمة أو حضارة إلا بالقراءة والعلم، مهما شحت مواردها.
وتتقدم إدارة الدار السودانية للكتب بخالص الشكر والتقدير و تعبر عن عظيم الامتنان لسعادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان على اهتمامه ودعمه وزيارته الكريمة للمكتبة، التي كانت دفعة معنوية عظيمة لمسيرتها.
ولا يفوتنا أن نشيد بجهود المؤسسة التعاونية الوطنية التي بادرت بتركيب وتشغيل منظومة طاقة شمسية متكاملة داخل الدار، لتعيد إليها الحياة وتضمن استمرار رسالتها. والشكر موصول لمجلة حواس على مساهمتها الإعلامية المميزة في دعم قضايا الثقافة ونشر رسالة المعرفة.
أحمد عبد الرحيم مكاوي

