الإدارة العامة للشمول المالي:
من تنظيم التمويل الأصغر إلى قيادة منظومة وطنية شاملة
بروفسير: بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم
نجحت وحدة التمويل الأصغر في تنظيم القطاع خلال فترة حرجة، ووضع أسس رقابية وتنظيمية ومؤسساتية راسخة وفعّالة على مدى السنوات الماضية. ويُعد تحويل هذه الوحدة إلى إدارة عامة للشمول المالي خطوة مؤسسية نوعية، إذ ينقل الدور الحكومي من الإشراف على قطاع محدود إلى قيادة منظومة وطنية متكاملة تشمل الإقراض والادخار والتأمين والمدفوعات والابتكار الرقمي، ضمن إطار شامل يخدم كافة شرائح المجتمع غير المخدومين بالخدمات المالية. ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا بأن الشمول المالي لم يعد مجرد برنامج متخصص، بل أصبح محركًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويتقاطع مع الزراعة وريادة الأعمال والحماية الاجتماعية والتحول الرقمي والتنمية الريفية.
بعد هذا التحول، تبرز الحاجة إلى إعداد استراتيجية وطنية حديثة للشمول المالي تقوم على تشخيص دقيق للفجوات، واستلهام أفضل التجارب الدولية. وتشمل المرحلة دمج التمويل الأصغر مع الاقتصاد الحقيقي عبر دعم سلاسل القيمة الزراعية والمشروعات الصغيرة، ليصبح التمويل أداة فعّالة لتعزيز الإنتاجية والدخل والاستدامة. ويعتمد نجاح هذا التحول على تطوير قدرات الموارد البشرية من خلال برامج تدريب متقدمة في إدارة المخاطر، والابتكار المالي، والتحول الرقمي، وتحليل البيانات، ورفع كفاءة العمليات. كما يسهم إنشاء مرصد وطني للشمول المالي في توحيد البيانات وتحليل الفجوات والمخاطر، بينما تعزز الشراكات الإقليمية والدولية مع المؤسسات المتخصصة التمويل الميسر واعتماد أفضل المعايير.
وفي هذا السياق، يأتي صندوق التمويل المدمج كخطوة محورية تجمع التمويل الحكومي والاستثمارات الخاصة والتمويل التنموي لتقليل المخاطر في التمويل الزراعي، ودعم التحول الأخضر، وتمويل المرأة والشباب، وتوسيع الابتكار المالي. ويعمل الصندوق كجسر بين التمويل التقليدي واحتياجات الفئات عالية المخاطر، ويوفر أدوات مرنة لحشد الموارد، ودعم المشاريع الريفية والطاقة النظيفة، وتمويل شركات التكنولوجيا المالية الناشئة، والتأمين متناهي الصغر، بما يضمن وصول التمويل إلى المستفيدين بطريقة مستدامة وتحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية متوازنة.
وفي نهاية المطاف، ينبغي أن تتجاوز الإدارة العامة للشمول المالي دورها التقليدي لتصبح مؤسسة قيادية ترسم السياسات، وتوجّه الاستثمارات، وتبني بيئة مالية تدعم النمو الاقتصادي الشامل. فهذا التحول ينقل البلاد من نموذج يركز على الخدمات المالية للفقراء إلى نظام مالي متكامل يخدم الجميع ويعزز تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

