بالشباب يعلو السودان
( استثمار الكفاءات نحو التحديث والإدارة الرشيدة)
بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني
الناظر لواقع الحال نجد أن السودان يمر اليوم بمنعطف تاريخي دقيق تتطلب معالجته رؤى متجددة وقدرة على اقتناص فرص التحديث والنهوض ، وفي خضم هذا التحدي تأتي قضية محورية الا وهي (كيف يمكن للدولة أن تستفيد على الوجه الأمثل من طاقاتها البشرية الهائلة وتحديدا الكفاءات الشبابية التي تزخر بها الجامعات والمعاهد وميادين العمل التنفيذي و القيادي؟) لقد أثبت الشباب السوداني في الداخل والخارج امتلاكه من القدرات والابتكار والمرونة ما يجعله الشريك الأهم بل القائد في مسيرة البناء و الإعمار.
تحليل الواقع … ضرورة التغيير الإداري
الوضع الحالي في السودان يستدعي الاعتراف بأن الأساليب التقليدية في الإدارة والحكم لم تعد قادرة على حل المشكلات المعقدة و المتراكمة فالعالم اليوم يتجه بسرعة نحو الحداثة الرقمية واقتصاد المعرفة والحوكمة الرشيدة التي تتطلب سرعة اتخاذ القرار الشفافية العالية والقدرة على التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد
في هذا السياق تكمن المبررات المنطقية لاختيار القيادات الشبابية المتمثلة في:
1. مواكبة العصر والتكنولوجيا: حيث يتمتع الشباب بفهم فطري وعميق للتكنولوجيا الحديثة وأدوات الاتصال العالمية مما يمكنهم من رقمنة مؤسسات الدولة وتحسين كفاءة الخدمات العامة بشكل جذري وهو ما يمثل ركيزة أساسية لمواكبة خطى الحداثة.
2. المرونة والقدرة على الابتكار: نرى أن الأطر الشبابية أقل تقيدا بالمسارات البيروقراطية القديمة التي أنهكت الدولة السودانية على مر العصور و الحفلات وهم أكثر استعدادا لتبني الحلول المبتكرة والنماذج التشغيلية الجديدة التي تخرج عن الصندوق التقليدي للإدارة الحكومية.
3. الطاقة والاندفاع نحو الإنجاز: الإدارة الحكومية،سواء على مستوى الوزارات أو الولايات تتطلب طاقة هائلة للعمل الميداني والمتابعة المستمرة فهذه الطاقة مصحوبة بالتحصيل العلمي والمهني الرفيع هي السمة المميزة للقيادات الشابة.
نموذج مقترح…قيادة شابة واستشارة خبيرة:
إن الاستفادة من الكفاءات الشبابية لا تعني إقصاء الخبرات التراكمية لمن كبروا في السن انما هي تعني إعادة تعريف لأدوارهم، فالمقترح العملي والمهني هنا هو إحداث تحول في الهيكل الحكومي يتمثل في:
1. تكوين حكومة شبابية (الوزراء والولاة): حيث يجب أن يتم اختيار الوزراء والولاة من بين الكفاءات الشبابية التي لا تتجاوز أعمارها سقفا محددا يضعه و يوضحه القانون على أن يتمتعوا بالخلفية الأكاديمية والمهنية المتخصصة في مجالات إدارتهم ، فيجب أن تخضع عملية الاختيار لمعايير الكفاءة والنزاهة والرؤية التحديثية بعيدا عن المحاصصات القبلية أو السياسية الضيقة. هؤلاء الشباب سيكونون هم قوة الدفع وصناع القرار التنفيذي.
2. مجلس استشاري من الخبرات: في المقابل يتم تأسيس مجالس استشارية عليا للوزارات والولايات، أو على مستوى رئاسة الوزراء تضم القيادات والخبرات الزمنية والتجربة. هؤلاء المستشارون سيعملون كصمام أمان ومرجعية تاريخية لتقديم النصح والدعم الاستراتيجي للقادة الشباب دون التدخل في التفاصيل التنفيذية اليومية،فهذا المزيج يضمن الجمع بين الحماس الشبابي والحكمة الناضجة.
إن تحدي السودان الحقيقي ليس في نقص الموارد الطبيعية انما في غياب الاستثمار الأمثل في المورد البشري الأغلى و الأكثر تجددا (شبابه الموهوب).
التوصية العملية … التمكين المؤسسي:
لضمان نجاح هذا التحول لا يكفي مجرد تعيين الشباب ولكن يجب تمكينهم في المؤسسات من خلال:
1. التدريب القيادي المتخصص: وذلك بإخضاع الكوادر الشبابية المختارة لبرامج مكثفة في الحوكمة و الإدارة و المالية العامة و القانون الدولي والتفاوض الاستراتيجي.
2. الاستقلالية في الأداء: و ذلك بمنح الوزراء والولاة الشباب صلاحيات تنفيذية كاملة ومحاسبتهم بناء على مؤشرات أداء واضحة ومرتبطة ببرنامج حكومي محدد زمنيا.
3. مكافحة الفساد : من خلال وضع آليات رقابية مشددة وشفافة تضمن عدم انخراط الجيل الجديد في دوائر الممارسات القديمة وترسيخ مبدأ المحاسبة الفورية.
إن السودان يقف على أعتاب مرحلة جديدة ولم يعد هناك متسع لرهن مستقبل البلاد بنماذج إدارية أثبتت محدوديتها، فالشباب السوداني يمتلك المقومات العلمية والعملية ليصبح المهندس والقائد والوزير إن الثقة في هذه الكفاءات هي ضرورة استراتيجية لضمان سير البلاد في ركب التحديث والتنمية الشاملة.
(بالشباب حقا يعلو السودان).

