بسم الله الرحمن الرحيم
هُوِيَّتِي سِرُّ سَعَادَتِي: قراءة في كتاب هوية المسلم
بقلم: محمد يوسف العركي
توطئة
وصلتني رسالة الداعية الشيخ الدكتور أحمد خضر حسنين، بعنوان: “هُوِيَّتِي سِرُّ سَعَادَتِي فِي دُنْيَايَ وَآخِرَتِي”، هديةً كريمةً من هذا الرجل المجدد ولا نزكيه على الله، ولعل مرد ذلك أن لي بعض الاهتمامات بقضية الهوية لا سيما الهوية الإسلامية. إنها ليست مجرد رسالة، بل مفتاح مهم لفهم الواقع من ضفتيه (الأنا والآخر) في معركة الوجود الحضاري والروحي. لذلك أرى لزاماً عليّ أن أشارك القراء أبرز محاورها لما تحمله من أهمية قصوى.
العِزَّةُ بالإِسْلَامِ: المَعْلَمُ الجَوْهَرِيُّ للهُوِيَّةِ
في خضمّ التسارع الحضاري وتصاعد موجات العولمة التي تهدد بنسف الهُويّات وذوبان الثوابت، تأتي رسالة الدكتور الحسن لتكون صرخة تحذير ونداء استدراك موجّه للشباب المسلم. لا تقتصر الرسالة على التعريف بـ(16) معلمًا للهوية الإسلامية، بل تضع النقاط على الحروف لتكشف عن الثمن الباهظ للتخلي عن “صبغة الله”.
يؤكد المؤلف أن الهوية الإسلامية ليست مجرد انتماء شكلي، بل هي صبغة وجودية شاملة، تكمن في الولاء المطلق لتعاليم الإسلام وشرائعه. ويسوق قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه كمنطلق لا يقبل الجدال:
“إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، فَمَهْمَا نَطْلُبُ الْعِزَّةَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ”.
ترتكز هذه الهوية على ثلاثة أركان صلبة لا يجوز التفريط فيها: عقيدة التوحيد الصافية، واللسان العربي (لغة القرآن)، والتراث الثقافي الإسلامي الذي يمثل امتدادنا الحضاري. ويستعرض المؤلف مواقف تاريخية خالدة، أبرزها رفض السلطان عبد الحميد الثاني بيع شبر من فلسطين، تأكيدًا على أن الاعتزاز بالهوية هو الدرع الحصين أمام محاولات التذويب التي حذّر منها حتى المستشرقون، الذين رأوا أن هدم الإسلام يبدأ بإماتة روح الاعتزاز بالماضي لدى الشباب المسلم.
الثَّمَنُ البَاهِظُ لِضَيَاعِ النَّسْلِ: مأساةُ المُهَاجِرِ
بعد أن رسّخ المؤلف مفهوم العزة بالإسلام، ينتقل إلى أخطر التحديات التي تواجه الهوية في واقعنا المعاصر: الهجرة إلى الدول الغربية. يحذّر من الانخداع بالبريق المادي مقابل خسارة الهوية، مستشهدًا بإحصاءات صادمة تشير إلى أن نسبة فقدان الذرية لإسلامها تصل إلى مستويات قياسية (96% في بعض الأجيال السابقة). ليخلص إلى أن أغلب من هاجروا “كسبوا الدنيا، ولكن أضاعوا الآخرة”. هذه النقطة تشكل محورًا مركزيًا في الرسالة، مؤكدة أن الحفاظ على الهوية هو أولاً الحفاظ على الأهل والنسل من الذوبان والضياع.
أَعْمِدَةُ السَّعَادَةِ: القُرْآنُ وَالرَّبْطُ بِالخَالِقِ
يُبين الدكتور الخضر أن سر سعادة المسلم يكمن في توثيق علاقته بربه الخالق، وأن هذه الصلة هي “الحبل المتين” الذي يضمن الطمأنينة ويحقق هدف الوجود. ويوصي بجعل القرآن الكريم رفيقًا يوميًا وشفاءً للأمراض الروحانية والجسدية، داعيًا إلى قراءته بالتدبر والخشوع.
كما يسلط الضوء على معلمين هامين: محبة النبي صلى الله عليه وسلم كركيزة لكمال الإيمان، والأخوة الإسلامية بوصفها رابطة عقيدة تجعل الأمة كالجسد الواحد، مع التأكيد على مراعاة الكرامة الإنسانية للجميع، إيمانًا بأن الناس جميعًا أبناء أب واحد، وأنه لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى.
مُوَاجَهَةُ النَّزْعَةِ اللِّيبرَالِيَّةِ وَضَرَاوَةُ الصِّرَاعِ
لم يغفل الكتاب عن التصدي لبعض التيارات الفكرية الحديثة التي تضرب الهوية في الصميم. ففي موضع لافت، يورد المؤلف تحذيرًا واضحًا من مفهوم “المسلم الليبرالي”، الذي يُعَرَّف بأنه محاولة للجمع بين الإسلام وبين حرية لا يضبطها إلا القانون الوضعي بعيدًا عن الشريعة.
وتعتبر الرسالة أن القبول بهذه النزعة قد يودي بالمسلم إلى التمرد على أحكام الشرع، أو حتى الوقوع في نواقض الإسلام عبر إنكار ما عُلِمَ من الدين بالضرورة. هذا التأكيد يضع حدودًا فاصلة بين الهوية الملتزمة ومحاولات التميع والتكييف غير المنضبط.
جُهُودٌ سَابِقَةٌ:
تجدر الإشارة إلى أن هذه الرسالة الموجزة هي اختصارٌ لكتاب أوسع للمؤلف بعنوان:
“هُويَّةُ الْمُسْلِمِ: حقيقتها وضرورة الاعتزاز بها وكيفية المحافظة عليها وموقفها من العولمة ومواجهتها للمؤامرات والمذاهب الفكرية المنحرفة”.
كما أن للدكتور أحمد الخضر مؤلفات أخرى تثري المكتبة الإسلامية، منها:
• المنح الكريمة بتبيين النحويين والأصوليين (رسالة الدكتوراه).
• منح الكريم المنان بشرح صفات عباد الرحمن.
• شرح حجة الإسلام لأربعين حديثًا من أحاديث سيد الأنام.
• الحكم الغزالية (مجموعة من كتب حجة الإسلام الغزالي).
• التغيرات في الأمة الإسلامية في ضوء السنن الإلهية.
نِدَاءُ الهُوِيَّةِ: تَرَكَ الكِتَابُ تساؤُلاً عَمِيقاً
يختتم الدكتور الحسن رسالته بالدعوة إلى اليقظة وإصلاح الذات، مؤكدًا أن تشتت الأمة نابع من تركيزها على نقاط الافتراق وتجاهلها لنقطة التجمع الكبرى: “الدين الإسلامي”. فالحل يبدأ بإصلاح النفس الفردية وتطعيمها بالعلوم الدينية والدنيوية، وتقويتها بالعزة والإيمان.
وفي الختام، وبعد هذا الاستعراض لأهم مفاصل الهوية الإسلامية، التي هي سرّ السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة، يبقى التساؤل العميق الذي يواجه كل مسلم في زمن العولمة والذوبان:
هل نكتفي بالشعور بالغربة، أم نبدأ رحلة العودة إلى الأركان الصلبة وفق ما ورد في الرسالة؟ إن الإجابة ليست خيارًا فكريًا فحسب، بل مسار نجاة لأمة بأكملها.

