*السودان بين مطرقة الحرب وسندان “التخبط الإداري”: مَن يدير مَن؟*
بقلم: محمدالفاتح زكريا
في الوقت الذي ينتظر فيه الشعب السوداني الصابر بضع بشريات تضمد جراحه و تخفف عنه أعباء الحياة وتزامناً مع احتفالات البلاد بذكرى الاستقلال المجيد وبداية عام جديد، صُدم الشارع بقرار زيادة تعرفة الكهرباء، ليعقبه بساعات قرار آخر بإلغائه. هذا المشهد لا يمكن مروره كحدث عابر، بل هو “عرض” لمرض عضال يسمى الفوضى الإدارية وغياب الرؤية الوطنية في إدارة الأزمة.
إن ما حدث يفتح الباب أمام حزمة من التساؤلات المشروعة التي تضع صدقية الجهاز التنفيذي على المحك:
أولاً: مَن أصدر القرار؟ وهل خضع لدراسة؟
إن صدور قرار بمثل هذه الحساسية يمس حياة ملايين المنهكين، يطرح تساؤلاً جوهرياً: من هو صاحب القرار الفعلي؟ وهل استند إلى دراسة حقيقية لواقع المواطن السوداني في عام 2026؟ أم أنها مجرد أرقام تُوضع بمعزل عن أنين النازحين والباحثين عن لقمة العيش وسط ركام الحرب.
ثانياً:
هل هنالك زيادة في اسعار الخدمات الحكومية بالميزانية العامة للدولة التي تم اعتمادها من ايام؟؟
ثالثا: هل عُرض هذا القرار على مجلس الوزراء وتم نقاشه والموافقة عليه؟ إذا كانت الإجابة “نعم”، فإننا أمام كارثة في تقدير الموقف الجماعي. وإذا كانت “لا”، فنحن أمام كارثة “جزر معزولة” يقرر فيها كل وزير ما يشاء، ثم تأتي جهات أخرى لتلغي القرار، مما يكرس صورة الدولة المهتزة التي تفتقر للتنسيق والانسجام.
رابعاً : لماذا تم اختيار هذا التوقيت المستفز بالذات، والناس تستشرف فجر عام جديد وتحتفي بانتصارات القوات المسلحة وعودة الأمل؟ ورمضان علي الابواب،هل هو سوء تقدير سياسي فادح، أم أن هناك مَن يعمل داخل كابينة القرار على إحداث حالة من السخط الشعبي وتشويه أي شعور بالأمل؟
خامساً: بأي منطق تُطالب الدولة مواطناً فقد مدخراته، وتوقف راتبه، ونُهب منزله، بأن يتحمل زيادات في الخدمات الأساسية؟ من اين يسدد المواطن هذه الفواتير والجليات؟؟ هل تعتقد الدولة أن المواطن السوداني يملك مصادر دخل خفية لا تعلم عنها شيئاً؟ إن فرض رسوم إضافية في ظل “الإفقار القسري” الذي خلفته الحرب هو نوع من “التعامي” عن واقع مرير يعيشه الشعب.
سادساً: علي الدولة تحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن “سوء التقديرات” التي سبقت الحرب وأدت إلى هذا الانهيار الاقتصادي، بدلاً من تحميل المواطن فاتورة أخطائها. إن واجب الدولة في زمن الأزمات هو “الرعاية” وليس “الجباية”، وتخفيف العبء عن كاهل المنكوبين لا إثقاله بقرارات مرتجلة زيادات ثم إلغاء!! تثير الريبة وتغذي الفوضى.
خاتمة:
إن إلغاء القرار لا يعفي المسؤولين من المحاسبة عن “خطيئة إصداره” أصلاً. السودان اليوم لا يُدار بسياسة “التجربة والخطأ” ولا بقرارات “الليل التي يمحوها النهار”. نحن بحاجة إلى قيادة تعي أن شرعيتها تُستمد من وقوفها مع المواطن، لا من إرهاقه. كفى فوضى، وكفى استهتاراً بصبر هذا الشعب الأبي.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

