فى الرد على مقال قياس الثقافة… من الإنجاز إلى سؤال الأثر بقلم الدكتور محمد يوسف العركى من دوحة العرب
بقلم: الخضر الاميـــن محمد مستوحى من فكرة محمد يوسف العركي
في عمق الصراع الوجودي للأمم، وحينما يتم البحث عن جذور أي نهضة حقيقية، تبرز “الثقافة” لا كرفاهية فكرية أو ترف زائد، بل بوصفها “جوهر الحياة” وعصبها الحيوي. إن الانتقال من مرحلة “تسجيل الإنجاز” الثقافي (كمّاً وعدداً) إلى مرحلة “سؤال الأثر” هو الحد الفاصل بين الأمم التي تملك ماضياً فقط، وتلك التي تصنع مستقبلاً من رحم هذا الماضي.
كيمياء الدراما
لعل المثال الأبرز على هذا التحول النوعي هو ما شهدته الحالة المصرية. فالثقافة المصرية لم تكتفِ بالبقاء حبيسة الكتب والمجلدات الرصينة التي تصف الحياة في الأزقة والحواري، بل أدركت مبكراً سر “الاستثمار الثقافي”.
لقد تحولت تلك النصوص الجامدة إلى “رصيد إبداعي خالد” عبر الدراما التلفزيونية والسينمائية. أعمال مثل “ليالي الحلمية”، و**”رأفت الهجان”**، وغيرها، لم تكن فقط مسلسلات للترفيه، بل كانت مشروعاً ثقافياً استثنائياً قام بـ:
تصدير الهوية: جعل العالم العربي بأسره يعرف “من هي مصر”، وكيف يفكر المصري، وما هي مفردات حياته اليومية.
ترسيخ القيم: تحولت الحارة المصرية من مكان جغرافي إلى “فكرة” و”قيمة” إنسانية عالمية، راسخة في عقول الأجيال المتعاقبة.
هذا هو الفارق الدقيق بين أن “تمتلك ثقافة” وبين أن “تُفعّل الثقافة”. فالكتب وحدها إنجاز، أما تحويلها لدراما تسكن البيوت والقلوب فهو “أثر”.
الثقافة.. صنو القوة
إذا كانت القوة الصلبة (العسكرية والاقتصادية) تحمي الحدود، فإن الثقافة (القوة الناعمة) تحمي العقول وتشكل الولاءات.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الدول اليوم ليس في “إنتاج” الثقافة، بل في “إدارة” الميزات الثقافية. فكل أمة تملك تراثاً، ولكن القليل منها ينجح في:
إعادة تدوير التراث: تقديمه بقوالب عصرية تواكب لغة العصر (كما فعلت الدراما).
الاستثمار الاقتصادي: تحويل المنتج الثقافي إلى صناعة تدر دخلاً وتخلق نفوذاً.
بناء السردية الوطنية: استخدام الثقافة لسرد قصة الوطن للعالم، بدلاً من ترك الآخرين يروونها نيابة عنا.
سؤال الأثر.. البوصلة الجديدة
إن العودة إلى مقال “قياس الثقافة… من الإنجاز إلى سؤال الأثر” تضعنا أمام مسؤولية تاريخية. لم يعد كافياً أن نحصي عدد الكتب المطبوعة أو المهرجانات المقامة، بل يجب أن نسأل:
كم من هذه الأعمال غيّر قناعة؟
كم منها بنى وعياً؟
كم منها عبر الحدود ليكون سفيراً لنا؟
الخاتمة
إن جذور النهضة، كما أشار العركي، هي ثقافة حية تتنفس في الشوارع لا في المكتبات فقط. والتحدي القائم الآن أمام المخططين والمبدعين هو استلهام “نموذج الحارة المصرية” في الدراما، وإسقاطه على موروثاتنا الثقافية المتنوعة، لنخلق منها قوة ناعمة، وأثراً لا يمحوه الزمن، يثبت أن الثقافة هي بحق.. جوهر الحياة.

