*المعركة التي لا تُرى: كيف يكشف الإقصاء الإداري حربًا داخل الدولة السودانية*
محمد كمير
٧ يناير ٢٠٢٦
في أوقات الحروب لا تُقاس خسائر الدول بما يُدمَّر من بنى تحتية أو ما يُستنزف من موارد فقط، بل بما يتفكك داخلها من نظم إدارة ومعايير حكم. وفي الحالة السودانية الراهنة، تكشف ممارسات الإقصاء الإداري داخل مؤسسات الدولة والشركات العامة عن معركة خفية تدور في عمق الدولة نفسها، معركة لا تُسمَع فيها أصوات المدافع، لكنها لا تقل أثرًا في إضعاف الكيان العام. هنا يصبح القرار الإداري ساحة صراع، وتتحول الوظيفة العامة من أداة خدمة إلى ورقة ضغط، ويغدو الإقصاء علامة على صراع نفوذ يتوارى خلف شعارات الضرورة والحرب.
هذا الإقصاء لا يحدث بمعزل عن سياق الخوف وعدم اليقين الذي تفرضه الحرب، حيث تتراجع القواعد المؤسسية، وتُعلَّق الضوابط بحجة الطوارئ، وتُعاد صياغة العلاقات داخل الدولة وفق منطق الولاء والاصطفاف. في هذا المناخ، تُستبعد كفاءات بحجج مبهمة، وتُهمَّش خبرات تراكمت عبر سنوات، وتُدار عمليات نقل وإعفاء وتجميد مواقع بصورة تعكس إعادة توزيع للقوة داخل الجهاز الإداري أكثر مما تعكس سعيًا لتحسين الأداء. وهكذا تكشف الحرب عن طبقة صراع داخلية كانت كامنة، لكنها وجدت في الفوضى غطاءً مناسبًا للظهور.
تصف أدبيات الإدارة العامة هذه الحالة بوصفها انتقالًا من “الدولة المؤسسية” إلى “الدولة الأمنية الإدارية”، حيث تُستبدل معايير الكفاءة والإنجاز بمؤشرات القرب والشك. وفي السودان، يتخذ هذا التحول طابعًا أكثر حدة بفعل هشاشة الهياكل الرقابية وضعف استقلال الخدمة المدنية، ما يجعل الإقصاء الإداري أداة سهلة لتصفية الحسابات القديمة والجديدة. فالتقارير الكيدية، والتشكيك في النوايا، وربط المواقف المهنية بتأويلات سياسية، كلها آليات تُستخدم لإقصاء خصوم محتملين تحت ستار حماية المؤسسة أو الحفاظ على تماسكها في زمن الحرب.
وتتجلى نتائج هذه المعركة الخفية سريعًا في تراجع الأداء المؤسسي، وتعطّل الخدمات، وفقدان الثقة بين العاملين، وهجرة العقول القادرة على التعافي والبناء. لكن الأخطر من ذلك هو الأثر التراكمي طويل الأمد، إذ يترسخ نمط إداري قائم على الخوف والصمت، وتُفقد الدولة ذاكرتها المؤسسية، ويصبح الإصلاح بعد الحرب أكثر تعقيدًا لأن البنية التي يفترض أن تقوده تكون قد أُضعفت من الداخل. وتشير الدراسات المستقبلية إلى أن الدول التي تسمح للإقصاء الإداري بأن يصبح قاعدة في زمن الأزمات غالبًا ما تدفع ثمنًا مضاعفًا في مرحلة إعادة الإعمار.
إن ما يكشفه الإقصاء الإداري في السودان اليوم ليس مجرد خلل في إدارة الموارد البشرية، بل صراعًا على معنى الدولة نفسها: هل هي مؤسسة عامة تُدار بالقانون والمعايير، أم ساحة نفوذ تُحكم بمنطق الغلبة؟ فالحرب، مهما قست، لا تبرر تحويل الإدارة إلى أداة تصفية، ولا تجعل من إقصاء الكفاءات طريقًا للبقاء. وعلى العكس، فإن قدرة الدولة السودانية على تجاوز محنتها ستتوقف إلى حد كبير على حسم هذه المعركة الخفية لصالح المهنية والشفافية، وعلى إدراك أن أخطر الحروب هي تلك التي تُخاض داخل مؤسسات الدولة دون أن يراها أحد.

