نور الدين مدني… رحيل صحفيٍّ من طينة الروّاد
حسن ابوعرفات الدوحة
برحيل الأستاذ نور الدين مدني تفقد الصحافة السودانية واحدًا من أبنائها الذين ارتبط اسمهم بالمهنة ارتباطًا عميقًا، لا بوصفها وظيفة عابرة، بل باعتبارها رسالة ومسؤولية أخلاقية ومعرفية. فقد كان الراحل واحدًا من أولئك الذين عاشوا داخل عالم الصحافة بكل تفاصيله؛ بين أوراق التحرير وأحبار المطابع، وفي فضاءات الحوار المهني والإنساني التي صنعت ذاكرة جيلٍ كامل من الصحفيين.
عرفته عن قرب خلال سنوات العمل المشترك، بجريدة “الصحافة” فكان نموذجًا للصحفي الذي يجمع بين المهنية العالية والخلق الرفيع. لم يكن حضوره في غرفة الأخبار مجرد أداءٍ لواجبٍ وظيفي، بل كان حضورًا إنسانيًا ومهنيًا يبعث الحيوية في المكان. كان من الصحفيين الذين يدركون أن الكلمة مسؤولية، وأن الصحافة ليست فقط نقلًا للخبر، بل بناءٌ للوعي العام وإسهامٌ في تشكيل الرأي العام.
تميّز الراحل بقدرةٍ خاصة على الجمع بين الخبرة المهنية وروح الزمالة والطرفة . فقد كان كريمًا بخبرته، قريبًا من زملائه، يفتح لهم أبواب المعرفة التي اكتسبها عبر سنوات طويلة من العمل في الصحافة السودانية. ولم يكن يبخل على الصحفيين الشباب بالنصيحة أو التوجيه، بل كان يرى في نقل الخبرة واجبًا مهنيًا وأخلاقيًا، ولذلك بقي أثره واضحًا في نفوس كثيرين ممن مرّوا بتجربة العمل معه.
ومن السمات التي طبعت شخصية نور الدين مدني تلك الروح الإنسانية المتفائلة التي كان يحملها معه أينما ذهب. فقد كان حضوره مقرونًا بابتسامةٍ صادقة وضحكةٍ مميزة لا تخطئها الذاكرة، وكان قادرًا على أن يخفف من ضغوط العمل الصحفي القاسية بروحه المرحة وطبعه الودود. لذلك لم يكن مجرد زميل عمل، بل كان جزءًا من النسيج الإنساني للوسط الصحفي.
كما عُرف الراحل بحرصه على التواصل مع القراء والاستماع إلى آرائهم وملاحظاتهم، مؤمنًا بأن الصحافة الحقيقية لا تنفصل عن جمهورها. كان يرى في القارئ شريكًا في صناعة الصحيفة، ولذلك ظلّ قريبًا من هموم الناس وقضاياهم، يفتح نوافذ الحوار ويصغي بانتباه لما يرد من ملاحظات واقتراحات.
وعلى مستوى الوسط الإعلامي، كان نور الدين مدني حاضرًا في مناسباته المختلفة، في الأفراح كما في الأحزان، حريصًا على صلة الرحم المهنية والإنسانية بين الصحفيين. فقد كانت علاقاته الواسعة وطباعه السمحة تجعل منه نقطة التقاءٍ لكثير من الزملاء.
إن تجربة الراحل تمثل امتدادًا لجيلٍ من الصحفيين السودانيين الذين صنعوا مهنتهم بالصبر والتجربة والتراكم المعرفي، وأسهموا في ترسيخ تقاليد العمل الصحفي الجاد رغم التحديات الكبيرة التي واجهت الصحافة السودانية عبر عقود طويلة. لقد كانوا جيلًا يؤمن بقيمة الكلمة وبأهمية الصحافة في حياة المجتمع، ولذلك ظلّت بصماتهم حاضرة في تاريخ المهنة.
وبرحيل نور الدين مدني، تخسر الصحافة السودانية أحد وجوهها التي ارتبطت بذاكرتها المهنية والإنسانية. غير أن الأثر الذي تركه في زملائه وتلاميذه، وفي الصفحات التي عمل عليها، سيبقى شاهدًا على مسيرة صحفيٍّ عاش للمهنة بإخلاص ووفاء.
رحم الله نور الدين مدني رحمةً واسعة، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وألهم أهله وذويه وزملاءه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

