السودان خط الدفاع الأول للأمن الغذائي الخليجي و الاستثمارات الآمنة
بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وتزايد حدة التوترات بسبب الحرب الايرانية التي تهدد الممرات الملاحية والإمدادات الغذائية ومن هنا يأتي سؤال استراتيجي ملح( كيف يمكن لدول الخليج العربي أن تؤمن احتياجاتها الغذائية بعيدا عن هشاشة الأسواق العالمية وتقلبات سلاسل الإمداد؟) الإجابة قد تكون كامنة في قلب أفريقيا وتحديدا في السودان ذلك البلد الذي يمتلك مقومات استثنائية تجعل منه المرشح الأوفر حظا ليكون “خط الدفاع الأول” للأمن الغذائي الخليجي.
التحالف الجديد…دوافع استراتيجية من كلا الجانبين:
يأتي هنا التوقع و الحديث عن شراكة استراتيجية عميقة بين السودان ودول الخليج (السعودية، قطر، عمان) في توقيت بالغ الدقة فدول المجلس الخليجي عموما تواجه تحديا وجوديا يتمثل في ندرة المياه والأراضي الصالحة للزراعة حيث تستورد كل الدول نسبه كبيره من احتياجاتها الغذائية، حيث كشفت الحرب الروسية الأوكرانية هشاشة هذا الاعتماد ودفعت فاتورة الغذاء الخليجية إلى ما يقارب 55 مليار دولار عام 2020 ، وفي المقابل يمتلك السودان أكثر من 82 مليون فدان صالحة للزراعة حاليا ومتوقع أن تزيد بإنتهاء معركة الكرامة أيضا يمتلك وموارد مائية هائلة تشمل حصة من مياه النيل وأمطار غزيرة تقدر بنحو 400 مليار متر مكعب سنويا وثروة حيوانية تتجاوز 90 مليون رأس . هذا التناغم بين المال الخليجي والموارد السودانية يخلق معادلة رابحة للطرفين خصوصا مع وجود استثمارات خليجية قائمة بالفعل تتجاوز 50 مليار دولار تتصدرها السعودية باستثمارات وتليها قطر و الكويت و سابقا الامارات .
قراءة استراتيجية في أدوار اللاعبين الخليجيين:
عند الحديث عن شراكة أمن غذائي لا يمكن التعامل مع دول الخليج ككتلة واحدة فلا بد من استيعاب خصوصية كل دولة ورؤيتها الاستراتيجية:
– السعودية: صاحبة الثقل السياسي والاقتصادي الأكبر تمتلك استثمارات سابقة تغطي 250 مشروعا في السودان وتتجلى اهتماماتها في تأمين إمدادات المواشي خاصة في مواسم الحج والأضاحي ، فهي تنظر للسودان كعمق استراتيجي لا يقل أهمية عن الأردن والمغرب في معادلات الأمن القومي العربي .
– قطر: ورغم صغر حجم استثماراتها نسبيا والذي يقدر ب 4 مليارات دولار إلا أنها تركز على مجالات حيوية تشمل الزراعة وتربية المواشي والتعدين والعقارات . فالدوحة تبحث عن شراكات طويلة الأجل تحقق لها ميزة تنافسية في أسواق الغذاء.
– سلطنة عمان: الأكثر هدوءا في تحركاتها أبدت اهتماما مبكرا بالاستثمار في إنتاج الأعلاف الخشنة كالذرة الصفراء والشعير لمواجهة عجزها المحلي ، فالسلطنة تبحث عن حلول لمشكلة استنزاف المياه الجوفية لديها عبر نقل الإنتاج إلى التربة السودانية الخصبة.
من فكرة الاستثمار إلى مفهوم الشراكة في الأمن القومي:
الانتقال من علاقة مستثمرمضيف إلى مفهوم خط الدفاع الأول يتطلب إعادة تعريف للعلاقة، فالأمن الغذائي لدول الخليج لم يعد سلعة فقط إنما أصبح جزءا من الأمن القومي وهذا يقتضي ترتيبات استثنائية على غرار (الشراكة الإستراتيجية) ، هذه الشراكة تعني عمليا أن السودان يتحول إلى منطقة إنتاج آمنة تتمتع بحماية سياسية واقتصادية خليجية تضمن استمرار التدفق الغذائي حتى في أصعب الظروف الإقليمية. هذا المفهوم يحول المشاريع الزراعية من مشروعات تجارية عادية إلى مشروعات ذات طابع سيادي تحظى باهتمام ودعم القرار السياسي في الخليج.
ماذا يجب على الحكومة السودانية فعله؟:
الحكومة السودانية أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر لكن اغتنامها يتجاوز بكثير مجرد الترحيب بالمستثمرين و الحديث السياسي المنمق فالنهج المطلوب هو استراتيجية وطنية شاملة للتعامل مع الاستثمارات الخليجية تقوم على الأسس التالية:
أولا: تهيئة البيئة الاستثمارية بمنظور متكامل: الحديث عن مشروع النافذة الواحدة وتقديم الحوافز و التي ذكرناها في مقالات سابقة لم يعد كافيا فالمستثمر الخليجي يحتاج إلى بيئة عمل متكاملة تشمل بنية تحتية قابلة للتشغيل ، إذن الحكومة مطالبة بإنشاء مناطق زراعية وصناعية متكاملة الخدمات من طرق وكهرباء وموانئ جافة مخصصة للاستثمارات الخليجية مع ضمانات سيادية لحماية هذه الاستثمارات من تقلبات السياسات المحلية و ايضا السمعة السابقة في المشروعات الاستراتيجية الزراعية في السودان تعلمنا أن غياب الصيانة وترهل البنى التحتية يمكن أن يدمر أكبر المشروعات .
ثانيا: وضع خارطة استثمارية واضحة وشفافة:على الدولة أن تنتقل من دور الوسيط”الذي يمنح أراضي هنا وهناك، إلى دور المخطط الاستراتيجي، فيجب إعداد خارطة استثمارية دقيقة تحدد المناطق المخصصة لكل نوع من الزراعة (محاصيل، أعلاف، خضروات، ثروة حيوانية) وتوزعها على الدول الشريكة وفق ميزتها التنافسية.
ثالثا: تعزيز البنية القانونية والحوكمة
التحدي الأكبر أمام الاستثمارات الخليجية طويلة الأجل ليس في الحوافز الضريبية فقط إنما في استقرار القوانين و وضوحها، فالتجارب السابقة أظهرت أن مشروعات كبرى منحت لدول خليجية مثل الامارات لم تجد طريقها للتنفيذ أو استثمر فيها جزء ضئيل فقط لأسباب سياسية بحته و ايضا التعقيدات، فالحكومة مطالبة بإصدار تشريعات تحمي العقود طويلة الأجل وإنشاء آليات فض منازعات مستقلة وفعالة تضمن حقوق جميع الأطراف.
رابعا: استثمار العائدات في مشروعات تنموية كبرى:يجب أن تتضمن عقود الشراكة آليات واضحة لتحويل العوائد إلى مشروعات إعادة الإعمار والتنمية ويمكن تخصيص نسبة من إيرادات الاستثمارات الخليجية لصندوق سيادي يستثمر في تحديث البنية التحتية (طرق، سكك حديدية، محالج، مصانع تعبئة) بالشراكة مع الشركات في القطاع الخاص او شبه الحكومي مما يخلق دورة إنتاجية متكاملة تزيد من تنافسية الصادرات السودانية، فمشروع الجزيرة مثلا الذي كان شريانا للاقتصاد السوداني يقدم لنا عبرة مؤلمة عن كيف يمكن للتهميش والفساد أن يحولا كنزا وطنيا إلى خسائر بمليارات الدولارات .
خامسا: بناء شراكة تكاملية: الذكاء الاستراتيجي يقتضي ألا يتحول السودان إلى مزرعة خلفية، فيجب تطوير صناعات تحويلية محلية بالشراكة مع الجانب الخليجي عبر القطاع الخاص و القطاع الشبه حكومي بحيث يتم تصدير منتجات نصف مصنعة أو مصنعة ذات قيمة مضافة أعلى وهذا يتطلب استثمارا مشتركا في نقل التكنولوجيا الزراعية الحديثة وتدريب الكوادر السودانية.
قراءة مستقبلية…لماذا سينجح هذا النموذج الآن؟
ثمة ثلاثة عوامل تجعل هذه المبادرة واعدة أكثر من أي وقت مضى:
1. الدروس المستفادة من الأزمات: أدركت دول الخليج بعد حرب أوكرانيا أن الاعتماد على أسواق بعيدة (أمريكا اللاتينية، أستراليا) مكلف ومحفوف بالمخاطر، فالقرب الجغرافي للسودان يمثل ميزة لوجستية لا تقدر بثمن.
2. التحول في الأولويات الخليجية: الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد المعرفة والاستثمار يجعل دول الخليج تبحث عن أصول منتجة تحقق عوائد استراتيجية وليس فقط أرباح سريعة.
3. الزخم السياسي: العلاقات السودانية الخليجية تشهد تطورا إيجابيا، خاصة مع المشاركة السودانية في التحالف العربي ما يخلق أرضية سياسية صلبة يمكن البناء عليها .
السودان يقف على أعتاب فرصة استثنائية لإعادة هندسة اقتصاده عبر بوابة الشراكة مع أشقائه الخليجيين بتحويل البلاد إلى خط دفاع أول للأمن الغذائي الخليجي و التي لا تعد مجرد صفقة استثمارية انما هو مشروع حضاري يعيد صياغة العلاقة بين ضفتي البحر الأحمر. فالنجاح مرهون بقدرة السودان على تقديم نفسه كشريك موثوق يمتلك رؤية واضحة وقوانين مستقرة وإرادة سياسية قوية لحماية هذه الشراكة من عواصف السياسة وتقلبات الإدارة.
الخيار الآن للدولة السودانية: إما اغتنام هذه اللحظة التاريخية بخطة استراتيجية شاملة بتحول الأرض والمياه إلى قيمة مضافة حقيقية تعيد الإعمار وتحدث التنمية أو الاكتفاء بدور المتفرج الذي يرى ثرواته تستثمر دون أن تعود عليه بالبناء الحقيقي فالتاريخ لا يرحم من يضيع الفرص فلنكن واعيين.

