التمويل الأصغر كرافعة للتعافي: قراءة تحليلية في قرارات بنك السودان المركزي
د. مروة فؤاد قباني
خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي
في خطوة تعكس توجهًا واضحًا
نحو تنشيط الآقتصاد وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية، أصدر بنك السودان المركزي منشورًا جديدًا بتاريخ ١٢ مارس ٢٠٢٦م قضى بتعديل سقوف التمويل الأصغر والصغير، مع إدخال قطاعات تمويلية مستحدثة تستهدف دعم الصادرات وإعادة الإعمار.
وشملت التعديلات رفع سقف التمويل في القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني من 14 مليون إلى 16 مليون جنيه، وقطاع الطاقة البديلة والتمويل الأخضر من 13 مليون إلى 15 مليون جنيه، فيما أرتفع سقف تمويل القطاع الصناعي والحرفي من 10 ملايين إلى 12 مليون جنيه.
كما تم رفع سقف التمويل لقطاع التجاري والخدمي من 7 ملايين إلى 9 ملايين جنيه، والقطاعات الخدمية من 3 ملايين إلى 5 ملايين جنيه.
ولم تقتصر الخطوة على زيادة السقوف التمويلية فحسب، بل تضمنت أيضًا استحداث مجالات جديدة بتمويلات أكبر، أبرزها قطاع سلاسل القيمة للقطاع الحيواني بغرض الصادر بسقف يصل إلى 25 مليون جنيه، وقطاع سلاسل القيمة للقطاع الزراعي بغرض الصادر بتمويل يصل إلى 22 مليون جنيه، إضافة إلى قطاع تأهيل المأوى الذي حُدد سقف تمويله بين 10 و12 مليون جنيه.
من خلال رؤيتي كمراقب ومحلل إقتصادي أن هذه الخطوة تمثل دفعة قوية نحو تعزيز الشمول المالي في السودان، حيث تسهم في توسيع نطاق الوصول إلى التمويل الرسمي، خاصة للفئات المنتجة من صغار المزارعين والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة، الذين ظلوا يعتمدون في كثير من الأحيان على مصادر تمويل غير منظمة. كما أن رفع سقوف التمويل يتيح تنفيذ مشاريع أكثر جدوى واستدامة، بما يعزز إدماج شرائح جديدة في النظام المصرفي.
اقتصاديًا، يُتوقع أن يسهم القرار في تحفيز القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الزراعة والثروة الحيوانية، بما يدعم الأمن الغذائي ويعيد تنشيط سلاسل الإنتاج التي تأثرت بالحرب.
كما أن التركيز على تمويل سلاسل القيمة المرتبطة بالصادرات يعزز فرص زيادة حصائل النقد الأجنبي، وهو ما يشكل عنصرًا مهمًا في إستقرار الاقتصاد الكلي.
وفي سياق إعادة الإعمار، يكتسب إدراج قطاع تأهيل المأوى أهمية خاصة، إذ يسهم في إعادة بناء المساكن المتضررة، ويعيد الحيوية إلى قطاع البناء، ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ما ينعكس إيجابًا على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
كما يُتوقع أن يساهم التوسع في التمويل الأصغر والصغير في خلق فرص عمل واسعة، نظرًا لقدرة هذا القطاع على استيعاب أعداد كبيرة من القوى العاملة، خاصة في الأنشطة الحرفية والخدمية. ويعزز ذلك من جهود الحد من الفقر وتحسين مستويات المعيشة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تظل فعالية هذه السياسات مرهونة بعدد من العوامل، في مقدمتها استقرار الأوضاع الأمنية، وتوفر البنية التحتية، إضافة إلى كفاءة الجهاز المصرفي في إدارة التمويل ومتابعته. كما تبرز أهمية وجود آليات رقابية تضمن توجيه التمويل نحو الأنشطة الإنتاجية الحقيقية، وتحد من مخاطر التعثر.
في المجمل، يعكس قرار بنك السودان المركزي توجهًا إستراتيجيًا نحو إعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية، وتعزيز الشمول المالي كمدخل لتحقيق التنمية المستدامة، في مرحلة تعد من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الاقتصاد السوداني.

