التوترات الجيوسياسية وإعادة تعريف إستراتيجيات الشركات
(سلسلة تحليلية – الجزء الأول)
من الزخم الى الصدمة: الحرب في الشرق الاوسط تختبر إستدامة الإقتصاد الخليجي
إستهلت دول الخليج العام 2026 كمثال يحتذى في اروقة النظام الاقتصادي العالمي الآخذ في التشكل نتيجة تصاعد التوترات التجارية، وتسارع التحولات التكنولوجية، وتغير أنماط الطاقة على المستوى الدولي. وفي ظل هذه المتغيرات تتجه دول الخليج إلى إعادة تموضع استراتيجي يهدف إلى تعزيز جاهزيتها وقدرتها التنافسية ضمن النظام الاقتصادي العالمي من خلال خطى متسارعة نحو تنفيذ تحول اقتصادي شامل يستند إلى حزمة من الإصلاحات الهيكلية بعيدة المدى، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية المادية والرقمية،وتبني مزيد من استراتيجيات التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الصناعية، فضلاً عن جهود منهجية لبناء منظومات المواهب والابتكار حيث يشكل رأس المال البشري محوراً أساسياً في الاستراتيجيات القائمة والمستقبلية لدول الخليج، فلطالما تبنت الحكومات سياسات مستمرة وجديدة تشمل التعليم والبحث والتطوير واستقطاب الكفاءات العالمية، بجانب بناء مراكز تميز في مجالات الابتكار والتكنولوجيا والتحول في قطاع الطاقة.
وفي صباح يوم السبت 28 فبراير من العام الجاري وجدت دول الخليج نفسها في خط المواجهة الأمامي للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، فقد ردت الاخيرة بإطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه جيرانها من دول المنطقة بما في ذلك الاردن والعراق مستهدفة قواعد عسكرية أمريكية على أراضيهم، إلى جانب بنى تحتية مدنية ومنشآت للطاقة (مرفق موجز الهجمات حتى 15 مارس)، مما تسبب في زعزعة أمنها الاقتصادي ووضعها تحت ضغط دولي هائل رغم سعيها لتجنب النزاع وتبني سياسة الوساطة وضبط النفس حتى اللحظة، الامر الذي لاقى استحسان الساسة والخبراء والمفكريين على هذا الموقف الاستراتيجي باختيارها الا تكون جزءاً من هذا التحالف الامريكي الاسرائيلي على ايران، وعدم تسميم المستقبل خاصة في ظل رئيس أميركي غير متوقع يمكن ان ينهي الحرب الدائرة في أية لحظة وفق تقدراته الشخصية للنصر.
أعاد الصراع الدائر للاذهان فكرة تفعيل القوة المشتركة في كيانات التكامل الاقتصادي الاقليمي المختلفة سواء ان كان بدعوة وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي في إجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري بتاريخ 8 مارس، لتفعيل مفهوم الأمن القومي العربي وأطر التعاون المشترك بما في ذلك تشكيل قوة عربية مشتركة والتي جاء ذكرها لأول مرة في ميثاق جامعة الدول العربية في العام 1950 على غرار معاهدة واشنطن – الناتو 1949. ايضا دعوة الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها السابق ل ” ناتو خليجي ” بقيادة السعودية ، حيث ان دول مجلس التعاون الخليجي والتي تأسست في 25 مايو 1981 وهي 6 دول ؛ لو إجتمعت تشكل قوة عسكرية تصنيفها رقم 10 عالميا من حيث الجنود وعدد العناصر 521,500 ، رقم 5 عالميا من حيث عدد الطائرات وآليات الاسطول البحري المقاتلة 2064 و 462 على التوالي ، رقم 8 عالميا في اسطول الدبابات 2639 ، والكيان رقم 3 عالميا من حيث ميزانية الدفاع 120 مليار دولار، كما تشكل دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة إقتصادياً الترتيب التاسع عالميا من حيث ارقام الناتج المحلي الاجمالي والأول عالميا من حيث انتاج واحتياطيات النفط الخام. تزيد فرص هذه التصنيفات بطبيعة الحال في الوحدة عبر كيانات التكامل الاقليمي العربي (22 مارس 1945/ 22 دولة) واتحاد دول منظمة التعاون الاسلامي (1969/ 57 دولة ).
قال تعالى ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا).
وفي ظل تقلبات المشهد لا تقتصر تداعيات الصراع على الأبعاد الأمنية والسياسية فحسب، بل تمتد بعمق الى قلب النظام الاقتصادي العالمي، حيث تبدأ اثار الحرب في الظهور عبر قنوات أكثر حساسية، وعلى رأسها أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية. وبينما تحاول اقتصادات المنطقة احتواء الصدمة والحفاظ على توازناتها، يبقى السؤال الاكثر إلحاحاً: إلى أي مدى يمكن لهذه الحرب أن تعيد تشكيل معادلات الطاقة والأسواق العالمية وخلق وضع طبيعي جديد (New Normal) ، مما يقودنا الى قراءة أعمق في المقال المقبل بإذنه تعالى ، حيث تتكشف التداعيات الاقتصادية المباشرة للصراع لاسيما على أسواق النفط والغاز وبعض الصناعات المرتبطة بها وإعلان حالات القوة القاهرة (Force Majeure).
كل عام وانتم بألف خير
المثنى سعد الأقرع
باحث أول – الإدارة الإستراتيجية
elmothana.s.m.elagraa@gmail.com


