مسافة تصنع إنسانًا آخر
كتبت / إيثار عبدالحميد
في المسافات البعيدة لا تُقاس الأيام بالزمن بل بثقل ما تحمله الروح من حكايات مؤجلة
هناك حيث تتشابه الوجوه وتتكرر الطرقات وتبدو المدن كأنها نسخًا من بعضها يكتشف الإنسان أن الغربة ليست مكانًا بل حالة هادئة تمتد في داخله وتعيد ترتيب أولوياته دون استئذان
لم يكن الأمر هكذا دائمًا
كانت البيوت في تلك البلاد الدافئة تعج بأصوات الحياة
تفاصيل صغيرة تتكئ على بساطة العيش ورحابة القلوب
صباحات تبدأ بنداءات مألوفة وأمسيات تنتهي بحكايات لا تنفد
لم يكن أحد يتخيل أن ما بدا عاديًا سيصبح يومًا ذاكرةً ثقيلة
يستدعيها الناس كلما ضاقت بهم الطرق
ثم حدث ما جعل المسافات أكبر مما هي عليه
تغيرت الأشياء بسرعة لم تمنح أحدًا وقتًا كافيًا للفهم ولا فرصةً كاملةً للحزن
وأصبح الرحيل خيارًا لا يشبه الاختيار
رحيل يحمل خوفًا صامتًا وأملًا حذرًا وشعورًا دائمًا بأن ما ترك هناك لم يكتمل بعد
في أماكن أخرى بعيدة ينهض الناس على إيقاع مختلف
إيقاع منضبط لا يعرف الفوضى لكنه أيضًا لا يعرف تلك الفوضى الجميلة التي كانت تمنح الحياة معناها
يمضون في أيامهم بكفاءة ووجوه هادئة
لكن في الداخل فراغ صغير لا يملؤه شيء فراغ يتسع كلما عاد صوت قديم أو رائحة مكان أو حتى ظل شجرة لم تعد قريبة
الغربة تعلم الإنسان الصبر لكنها لا تعلّمه النسيان تمنحه صلابة في الظاهر وتترك داخله مساحة رقيقة قابلة للكسر
تدفعه إلى أن يعيد تعريف نفسه بعيدًا عن كل ما كان يعتقد أنه ثابتًا
وتجعله يرى الأشياء بوضوح قد يكون مؤلمًا أحيانًا وجميلًا أحيانًا أخرى
في هذا الامتداد بين مكانين تتشكل حكاية مختلفة
حكاية إنسان يحمل وطنه في قلبه أكثر مما يحمله في ذاكرته
يحاول أن يوازن بين حياة فرضت عليه وأخرى ما زالت تسكنه
فيتعلم كيف يبتسم وهو يؤجل حزنه
وكيف يعمل وهو يترك جزءًا من روحه معلقًا هناك
ورغم كل ذلك تبقى هناك قوة خفية لا يمكن تفسيرها
قوة تدفع الناس إلى الاستمرار
يكتبون رسائل لا تصل كاملة
ويحتفظون بصور لا تكتمل ملامحها
ويؤمنون بأن ما انكسر يمكن أن يلتئم بطريقة ما
وتبقى الفرحة هناك ناقصة مهما اكتملت ملامحها في الظاهر
في مواسم يفترض أنها تعيد ترتيب البهجة داخل القلوب مثل شهر ‘رمضان ‘ تتغير الطقوس دون أن تفقد معناها لكنها تفقد دفئها الأول
وفي’ العيد ‘ تبدو الصورة أوضح
ملابس جديدة بلا ذاكرة
وزيارات مختصرة لا تشبه تلك التي كانت تبدأ بلا موعد وتنتهي بصعوبة
وضحكات حاضرة لكنها أخف وزنًا كأنها تخشى أن تلامس شيئًا مكسورًا في الداخل
هي ليست فرحة غائبة تمامًا لكنها فرحة منقوصة
فرحة تقوم على المحاولة أكثر مما تقوم على الإكتمال
يحملها الناس بحذر ويمنحونها ما استطاعوا من روحهم
ثم يتركون جزءًا منها هناك حيث كانت الأشياء أبسط وأصدق
قد لا تعود الأشياء كما كانت
وقد لا تستعيد الأماكن شكلها الأول
لكن الإنسان يظل قادرًا على إعادة بناء نفسه
يحمل ما تبقى من الحلم ويمنحه فرصةً أخرى
ليس لأن الطريق سهلًا بل لأن الاستسلام لم يكن يومًا خيارًا ..
في النهاية لا تكون الحكاية عن الفقد فقط
بل عن القدرة على الاستمرار رغم كل شيء
عن تلك المسافة التي صنعت إنسانًا أكثر وعيًا
وأشد ارتباطًا بما يحب حتى وإن بدا بعيدًا عنه ..
هكذا تمضي الحياة بين مكانين
لا هي هناك تمامًا ولا هي هنا بالكامل لكنها تمضي وهذا وحده يكفي أحيانًا ليمنح الأمل شكلًا يمكن التمسك به .

