حين تتحول المعرفة إلى سلعة: معاناة الطلاب السودانيين في السعودية بين النزوح وغلاء الرسوم
بين الحاجة إلى التعليم وتكاليفه المرتفعة، يواجه طلاب سودانيون نازحون في السعودية معادلة قاسية تهدد مستقبلهم الأكاديمي.
حسن ابوعرفات من الرياض. مجلة حواس
في زمن الأزمات، لا يكون التعليم ترفًا، بل ضرورة ملحّة وحقًا أصيلًا. هو الأداة التي تمنح الإنسان القدرة على الصمود وإعادة بناء حياته حين تتهاوى الخيارات الأخرى. لكن ما يعيشه عدد من الطلاب السودانيين النازحين في المملكة العربية السعودية يكشف عن واقع مقلق، تتحول فيه هذه الضرورة إلى عبء ثقيل، وتغدو المعرفة سلعة لا ينالها إلا من يستطيع الدفع.
خلال الفترة الأخيرة، برزت شهادات من أبناء الجالية السودانية تشير إلى أن بعض المؤسسات الجامعية السودانية، التي أنشأت مراكز تعليمية داخل المملكة بهدف استيعاب الطلاب المتأثرين بالأوضاع في السودان، باتت تفرض رسومًا دراسية مرتفعة على البرامج الأكاديمية والدورات التدريبية.
ورغم أن هذه المبادرات تبدو في ظاهرها استجابة إنسانية للأزمة، إلا أن واقع الرسوم المفروضة يعكس مفارقة مؤلمة؛ إذ يجد الطالب النازح نفسه أمام عائق مالي جديد، في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى الدعم لا الاستنزاف.
في المقابل، لا تنكر بعض المؤسسات التعليمية أن إنشاء وتشغيل مراكز خارج الوطن يتطلب موارد مالية كبيرة، تشمل البنية التحتية ورواتب الكوادر ومتطلبات الاعتماد الأكاديمي. وتؤكد أن الاستمرارية دون رسوم قد تكون غير ممكنة.
لكن هذا الطرح يفتح بابًا لتساؤلات أعمق حول حدود المسؤولية الأخلاقية لهذه المؤسسات. فهل يمكن التعامل مع التعليم في سياق النزوح كخدمة تجارية بحتة؟ أم أنه يظل رسالة إنسانية تستدعي التيسير والاحتواء؟
أصوات متعددة… ومعاناة واحدة
يعبر عدد من الطلاب وأسرهم عن شعور متزايد بالضغط، مؤكدين أن الرسوم المرتفعة تقصي شريحة واسعة منهم، وتضع مستقبلهم الأكاديمي على المحك في ظل أوضاع اقتصادية معقدة فرضها النزوح.
في المقابل، ترى إدارات بعض المؤسسات أن هذه الرسوم تعكس “تكلفة حقيقية” لضمان جودة التعليم واستمراريته، مشيرة إلى أن البدائل منخفضة التكلفة قد تؤثر على المستوى الأكاديمي.
أما على مستوى الجهات الرسمية، فيبرز تساؤل حول مدى فاعلية الإشراف والتنظيم، وغياب ضوابط واضحة تحدد سقوف الرسوم أو تراقب أداء المراكز التعليمية في الخارج.
منصات معرفة… أم كيانات سوقية؟
استمرار هذا النهج يهدد بتحويل المؤسسات التعليمية من منصات للمعرفة إلى كيانات تعمل بمنطق السوق، حيث تُقاس القيمة بقدرة الطالب على الدفع، لا بحاجته إلى التعلم.
ولا يقتصر أثر ذلك على الأفراد، بل يمتد إلى صورة التعليم السوداني ككل، ويقوض الثقة في رسالته ومخرجاته.
هنا يبرز الدور الحاسم للجهات الرسمية، وعلى رأسها وزارة التعليم العالي في السودان، التي يقع على عاتقها وضع أطر تنظيمية واضحة، تضمن التوازن بين جودة التعليم وعدالته.
ما الذي يمكن فعله؟
لا تتطلب هذه الإشكالية حلولًا مثالية بقدر ما تحتاج إلى إرادة تنظيمية وتعاون مؤسسي. ومن بين الخطوات الممكنة:
• تحديد سقف معقول للرسوم الدراسية
• إنشاء صناديق دعم بالشراكة مع الجاليات والمنظمات الخيرية
• تعزيز الشفافية عبر نشر هيكل الرسوم وتبريرها
• بناء شراكات مع جامعات سعودية
• التوسع في التعليم الإلكتروني منخفض التكلفة
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بالأرقام فقط، بل بقيم ومبادئ. فالتعليم ليس خدمة تجارية تُقدَّم وفق معادلة العرض والطلب، بل حق إنساني يجب أن يُصان، خاصة في أوقات الأزمات.
وما يواجهه الطلاب السودانيون في السعودية اليوم ليس مجرد تحدٍ مالي، بل اختبار حقيقي لضمير المؤسسات التعليمية، ولمدى التزامها برسالتها.
فإما أن يبقى التعليم أداة للتمكين والعدالة، أو يتحول إلى بوابة جديدة للإقصاء، تُغلق في وجه من هم في أمسّ الحاجة إليه.

