محمد طاهر عمر… المنصب ليس إرثًا شخصيًا
بقلم: محمد عثمان الرضي
◉ في الدولة التي تحترم مؤسساتها، لا يتحول المنصب العام إلى حق مكتسب، ولا يصبح البقاء فيه غاية تُسخَّر لها الطاقات والولاءات. فالوظيفة العامة تكليف مؤقت، يحكمه القانون، وتنتهي مدته بانتهاء السند الذي جاءت به.
◉ ولذلك، فإن كل ما يدور هذه الأيام حول الشركة السودانية للموارد المعدنية يستحق الوقوف عنده بقدر كبير من الجدية، لأن الأمر يتعلق بمؤسسة تدير أحد أهم الموارد الاقتصادية في البلاد.
◉ الحديث المتداول عن انتهاء عقد المدير العام الدكتور محمد طاهر عمر، يقابله استمرار في مباشرة مهام المنصب، وهي مسألة لا ينبغي أن تظل حبيسة الأحاديث، بل تستوجب بيانًا رسميًا يضع النقاط فوق الحروف.
◉ وإذا كان العقد قد انتهى بالفعل، فمن الذي أجاز استمراره؟ وإذا كان قد جُدد، فأين القرار؟ ومن هي الجهة التي أصدرته؟ ولماذا غابت هذه المعلومات عن الرأي العام؟
◉ إن أبسط قواعد الإدارة الرشيدة تقول إن ما يتعلق بالمناصب العامة لا يُدار في الغرف المغلقة، وإنما بالإجراءات المعلنة والقرارات المنشورة.
◉ اللافت للنظر أن المدير العام كثف خلال الفترة الماضية زياراته إلى ولايات القضارف وكسلا والبحر الأحمر، والتقى بقيادات الإدارة الأهلية ورموز المجتمع.
◉ ومن حق الناس أن يتساءلوا: هل كانت تلك الزيارات جزءًا من برنامج عمل مؤسسي؟ أم أنها جاءت في توقيت فرضته ظروف المنصب ومستقبله؟
◉ السؤال ليس إدانة، ولكنه حق مشروع، لأن المسؤول العام يخضع للمساءلة، ولا تُعفى تحركاته من الرقابة المجتمعية.
◉ المناصب التنفيذية لا تُحسم بالتصفيق، ولا تُجدد بالتأييد، ولا تُصان بالوفود، وإنما يحسمها القانون وحده.
◉ وإذا احتاج أي مسؤول إلى حملات دعم حتى يبقى في موقعه، فإن ذلك وحده يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول طبيعة الإدارة المؤسسية.
◉ السودان ليس فقيرًا في الرجال، وشرق السودان ليس عقيمًا في الكفاءات.
◉ ففي هذا الإقليم عشرات، بل مئات، من أصحاب المؤهلات العليا والخبرات الطويلة في قطاع التعدين والإدارة والاقتصاد.
◉ ولذلك فإن أي موقع قيادي يجب أن يظل مفتوحًا أمام المنافسة العادلة، لا أن يرتبط بشخص بعينه وكأن المؤسسة ستتوقف برحيله.
◉ المؤسسات القوية تصنع القيادات، أما المؤسسات الضعيفة فتصنع الأشخاص.
◉ وليس من مصلحة الدولة أن ترتبط مؤسسة بحجم الشركة السودانية للموارد المعدنية باسم فرد، مهما كانت تجربته أو حجم عطائه.
◉ ويبقى السؤال الأكبر: ماذا قدمت الشركة خلال السنوات الماضية مقارنة بحجم الموارد التي تديرها؟
◉ وهل انعكست عائدات التعدين على المجتمعات المنتجة بالصورة التي كانت تنتظرها؟
◉ وهل حققت أموال المسؤولية المجتمعية أهدافها الحقيقية في الصحة والتعليم والمياه والبنية التحتية؟
◉ تلك الأموال ليست منحة من أحد، وإنما حق أصيل للمجتمعات التي تحملت أعباء التعدين وآثاره.
◉ ولذلك فإن كشف حجم الإيرادات وأوجه الصرف لم يعد خيارًا، بل أصبح واجبًا تفرضه قواعد الحوكمة.
◉ كما أن المراجعة المالية والإدارية ليست تشكيكًا في أحد، وإنما حماية للمؤسسة قبل أن تكون محاسبة للمسؤول.
◉ ومن هنا، فإن وزير المعادن مطالب بإجراء تقييم شامل لأداء الشركة، إداريًا وماليًا وفنيًا، ونشر نتائجه للرأي العام.
◉ فالمؤسسات التي لا تخضع للمراجعة، تصبح مع مرور الوقت بيئة خصبة للشائعات وفقدان الثقة.
◉ وإذا كانت الإدارة الحالية قد حققت نجاحات حقيقية، فإن أفضل من يدافع عنها هو التقرير المالي، لا الخطابات، ولا حملات التأييد.
◉ أما إذا كانت هناك أوجه قصور، فإن الاعتراف بها ومعالجتها خير من تجاهلها.
◉ إن المرحلة التي يمر بها السودان لا تحتمل بقاء أي مؤسسة خارج دائرة التقييم والمحاسبة.
◉ فالمال العام ليس ملكًا لمسؤول، ولا لحكومة، وإنما هو ملك للشعب كله.
◉ ومن حق المواطن أن يعرف كيف تُدار ثرواته، وكيف تُتخذ القرارات داخل المؤسسات الاقتصادية الكبرى.
◉ ومن حق الرأي العام أن يسمع إجابات واضحة، لا أن يبقى أسيرًا للتكهنات والأسئلة التي لا تجد من يرد عليها.
◉ ويبقى المبدأ الذي لا ينبغي أن يختلف حوله أحد: لا أحد أكبر من القانون، ولا أحد يحتكر المنصب، ولا مؤسسة تُبنى على الأشخاص، وإنما تبقى الدول حين تبقى هيبة القانون، وتعلو قيمة الشفافية، وتنتصر المؤسسية على النفوذ والأسماء.

