بسم الله الرحمن الرحيم
*عوض شريف… حين يروي المكان سيرة الرجال*
بقلم: محمد يوسف العركي
تقول العرب إن لكل امرئٍ من اسمه نصيباً، ولعل «عوض شريف» كان من أوفى الناس حظاً من اسمه، فقد كان “العوض” الذي اتسعت به آمال الناس، و”الشريف” الذي بقيت سيرته أنصع من أن يطويها الزمن. وما تزال «الكلاكلة القبة» تستدعي اسمه كلما ذُكرت التحولات الكبرى التي نقلت المنطقة من طور إلى طور، ومن زمن البساطة الجميلة إلى آفاق أرحب من التعليم والعمل والحياة المعاصرة.
ومن تلك البقعة الوادعة على ضفاف النيل الأبيض بالعاصمة الخرطوم، عُرفت «الكلاكلة القبة» بتاريخها العميق المتصل بالعلم والخلاوي والتعليم النظامي، وحيث عاش أهلها بين صيد الأسماك والتجارة والكفاح الشريف، نشأ «عوض شريف» في بيتٍ عُرف بالدين والقيادة المجتمعية. فوالده الشيخ «شريف حاج إبراهيم» (رحمه الله) لم يكن قائداً اجتماعياً ودعوياً على مستوى منطقته فحسب، بل كان من أهل الرأي والمشورة والحل والعقد على مستوى السودان قاطبة، وله أدوارٌ مؤثرة في الشأنين الاجتماعي والوطني.
*استشراف المستقبل… خطوة مبكرة نحو الخليج*
في منتصف سبعينيات القرن الماضي، لم يكن الاغتراب ظاهرةً واسعةً كما عرفها السودانيون لاحقاً؛ فقد كان السودان يومها يعيش أوضاعاً اقتصادية وحضارية جعلت كثيرين يرون مستقبلهم في الداخل، بينما كانت منطقة الخليج لا تزال في بدايات نهضتها التنموية الحديثة.
غير أن «عوض شريف» قرأ المشهد بعينٍ مختلفة، واختار أن يشد الرحال إلى دولة قطر في مرحلة مبكرة، يوم كانت تضع اللبنات الأولى لمشروعها التنموي الكبير الذي أذهل العالم فيما بعد.
وكانت قطر آنذاك تستقطب نخبة استثنائية من الكفاءات السودانية التي شاركت في بناء مؤسساتها الحديثة:
• في القوات المسلحة: برز المشير عبد الرحمن سوار الذهب.
• في السلك الدبلوماسي: الأستاذ محجوب مكاوي.
• في جهاز الشرطة: العميد يحيى حسين، والمقدم جعفر عبد الرحيم، وصلاح التجاني عامر، وعثمان حمور.
• في الساحة الثقافية: ازدانت بأسماء من قامة الأديب العالمي الطيب صالح، والفنان التشكيلي إبراهيم الصلحي، والأستاذ إبراهيم الشوش.
• في الساحة الرياضية: شهدت حضور شخصيات مؤثرة مثل الفاتح النقر، وحسن دقدوق، وحمدان حمد.
• والقائمة تطول.
كانت تلك مرحلة ذهبية من التفاعل السوداني القطري، وفي قلبها شقّ «عوض شريف» طريقه بهدوء الواثقين.
جسر الوفاء… من النجاح الفردي إلى الأثر الجمعي
غير أن ما ميّزه لم يكن نجاحه الشخصي فحسب، بل إيمانه العميق بأن النجاح لا يكتمل إلا إذا تحول إلى فرصة للآخرين. فبينما اكتفى كثيرون بتحسين أوضاعهم وأوضاع أسرهم، جعل «عوض شريف» من تجربته جسراً لأهله وأبناء منطقته. ومن خلال عمله في الشرطة القطرية، وبما بناه من علاقات راسخة وما اكتسبه من ثقة واحترام، فتح الأبواب أمام أعدادٍ كبيرة من الشباب، حتى بلغ أثره كل بيت في “القبة القديمة”.
ولم يكن عطاؤه مقتصراً على فتح أبواب العمل؛ فقد ظل منزله في الدوحة مشرعاً لأبناء السودان عامة وأبناء “الكلاكلات” خاصة، يستقبل القادمين ويؤنس وحشة المغتربين، حتى غدا بيته محطةً معروفة للزائرين وملتقىً للأهل والأصدقاء.
ومع موجات السفر التي تتابعت خلال ثمانينيات القرن الماضي—ولا سيما المجموعة التي اشتهرت باسم «الفلاشا» لكثرة أعدادها—بدأت ملامح التغيير تظهر بوضوح في المنطقة؛ فتحولت البيوت من الطوب اللبن إلى الطوب الأحمر، ودخلت الأجهزة الحديثة إلى المنازل، وارتفع مستوى المعيشة والتعليم والطموح. ولم يكن ذلك مجرد ازدهار اقتصادي، بل نهضة اجتماعية وثقافية شاركت في صنعها رؤية رجلٍ سبق عصره واستشرف ما وراء الأفق.
*”القبة… أوروبا”: بصمات ثقافية وعمرانية*
ولم يتوقف أثره عند ذلك؛ ففي وقتٍ كانت فيه متاجر الأناقة تحتكر المشهد في قلب الخرطوم، نجح «عوض شريف» في أن يجعل من «الكلاكلة القبة» وجهةً يقصدها الباحثون عن الذوق الرفيع والموضة العصرية. فقد أحدث نقلة نوعية عبر “شريف بوتيك”، الذي استقطب زبائنه من الخرطوم وبحري وأم درمان. كما تحول “شريف ميوزك” إلى نافذة ثقافية مشرعة على الموسيقى السودانية والعالمية، فأسهم في إثراء الحراك الثقافي والاجتماعي بالمنطقة، حتى راج على الألسنة القول الشهير “القبة… أوروبا”.
وحين ضاق مسجد «الشيخ النذير» بالمصلين بسبب التوسع السكاني والعمراني، كان «عوض شريف» حاضراً بفعله المعهود؛ فمن خلال علاقته الوثيقة بأسرة المرحوم عبد العزيز المهندي بدولة قطر، أُعيد تشييد المسجد في منتصف ثمانينيات القرن الماضي على أسس حديثة ليصبح معلماً بارزاً من معالم المنطقة، من خلال تصميمه المستلهم من «مسجد عمر بن الخطاب» الشهير في الدوحة، الذي ارتبط في ذاكرة العالم الاسلامي بخطب ودروس العلامة الراحل الشيخ يوسف القرضاوي (رحمه الله).
*عشق الهلال والمؤسسات الناشئة*
وكانت الرياضة إحدى محطاته المضيئة؛ فقد لعب لأحد الفرق القطرية، لكنه ظل «هلالياً حتى العظم»، لا يخفى عشقه للنادي الأزرق على أحد. وكلما حل الهلال ضيفاً على قطر—مشاركاً أو معسكراً—كان لـ «عوض شريف» دورٌ بارز في الترتيب والرعاية والدعم عبر موقعه القيادي في رابطة مشجعي الهلال.
وعندما انتقل للعمل في «الخطوط الجوية القطرية» خلال سنواتها الأولى، واصل أداء الدور نفسه؛ فكان من أوائل الذين استقطبوا الكفاءات السودانية، وأسهموا في ترسيخ حضورها داخل المؤسسة الناشئة. كما لا يزال الوسط الرياضي والثقافي يذكر دوره في استضافة ناديي الهلال والمريخ، وفي تنظيم الزيارة التاريخية للبعثة الفنية السودانية الكبرى التي تزامنت مع تدشين عمل القطرية، في مشهدٍ جسّد متانة الروابط الثقافية والرياضية بين البلدين.
*سفير غير متوج وجائزة المقيم المثالي*
على امتداد هذه الرحلة الطويلة، ظل «عوض شريف» سفيراً غير متوج للسودان وأهله، حتى منحته دولة قطر جائزة المقيم المثالي،وهو تكريم لم يأتِ من فراغ؛ فقد خلا سجله من المخالفات، وبقي مثالاً للانضباط وحسن السيرة. والشيء من معدنه لا يُستغرب.
ولستُ هنا بصدد الإحاطة الكاملة بسيرة هذا الرجل، فذلك بابٌ أوسع من هذه المساحة وأقدر عليه من عاصروه عن قرب، وإنما أتتبع بعضاً من ملامح أثره الممتد، باعتباره واحداً من الرموز التي اقترن حضورها بتاريخ المكان وتحولاته عبر العقود. وإذا كانت لـ «الكلاكلة القبة» شخصيات أسهمت في تشكيل ملامحها الحديثة، فإن «عوض شريف» يتقدم تلك القامات التي صنعت الفارق بالفعل لا بالقول، وبالعطاء لا بالادعاء.
*خاتمة*
لعل من أكرمه الله بحسن البصيرة أدرك مبكراً أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما يحققه الإنسان لنفسه، وإنما بما يتركه من أثرٍ طيب في حياة الآخرين. لذلك لم يكن «عوض شريف» مجرد مغتربٍ حقق نجاحاً مهنياً في الدوحة، بل تحول إلى رافعة اجتماعية لأهله، وجسرٍ ممتد بين «الكلاكلة القبة» و«الدوحة»، ورمزٍ رسخت بصماته في وجدان الناس حتى غدا أثره حقيقةً لا يتجاوزها منصف ولا يغفلها مؤرخ.
وقديماً قيل: *الرجالُ يُعرفون بآثارهم*، وأثرُ الرجال الصادقين هو السيرةُ التي تسبق أسماءهم وتبقى بعدها.
*نسأل الله أن يمنّ عليه بالشفاء والعافية، وأن يعود ذلك الوجه البشوش والروح السمحة إلى مجالس أهله ومحبيه، بين «الكلاكلة القبة» و«دوحة العرب»*، حيث ما تزال سيرته الطيبة تُروى بمحبة وفخر وامتنان، وحيث تبقى أعمال الرجال الصادقين شاهدة عليهم، وإن غابت أجسادهم عن المجالس.

