البروفيسور مأمون حميدة في بوح خاص لمجلة حواس :
جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا تعود إلى الخرطوم.. «رد الجميل للوطن» ودعم مسيرة إعادة الإعمار
الجامعات ملك للمواطنين وطلابها وخريجيها.. وعودتنا رسالة تشجيع للجامعات
إطلاق «منحة الكرامة» لنحو 150 دارسًا، وتخفيض الرسوم الدراسية للطلاب بنسبة الثلث، و منح مجانية للطلاب المتميزين
الدوحة حسن ابوعرفات
أعلن البروفيسور مأمون حميدة، رئيس مجلس أمناء جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، عودة الجامعة إلى مقرها الرئيسي في الخرطوم واستئناف نشاطها الأكاديمي من داخل السودان، في خطوة وصفها بأنها تعبير عن الدور الوطني والأخلاقي للمؤسسات التعليمية، وإسهام في مسيرة إعادة بناء الدولة السودانية وتعافي قطاع التعليم العالي بعد الحرب.
وأكد حميدة، في حديث، خاص أن قرار العودة إلى الخرطوم لم يكن قرارًا إداريًا فحسب، وإنما جاء انطلاقًا من إحساس عميق بالمسؤولية تجاه الوطن، وقال إن الجامعة ترى في عودتها نوعًا من «مواساة جراح الوطن والعودة إلى أحضانه الدافئة»، خاصة أن أعدادًا كبيرة من السودانيين ظلت داخل البلاد طوال سنوات الحرب.
وقال إن الجامعة تأسست في الأصل باعتبارها حلمًا وأمنية تحولت إلى مؤسسة تعليمية راسخة، وإن القائمين عليها يشعرون اليوم بالسعادة لأنهم يستطيعون توظيف هذه التجربة في دعم خطط التعليم العالي والمساهمة في إعادة بناء السودان، معتبرًا أن استمرار الجامعة وخدمتها للطلاب والمجتمع يمكن أن يكون «صدقة جارية» لأهل السودان.
وأضاف: «الجامعات لا يملكها مؤسسوها، وإنما يملكها المواطنون وطلابها وخريجوها، ولذلك فإن مسؤوليتنا تجاهها تتجاوز الأشخاص والأجيال».وقال :الإعمار مسوؤلية الامة والأفراد والحكومة ممكن تقدم الدعم هنا وهناك وعود المواطنين لديارهم وارسال الابناء للمدارس والجامعات واعادة الحياة للمستشفيات وعودة البوفيهات حتي عودة “ستات الشاي” للشوارع تعني عودة الحياة للوطن
جامعة تجاوزت حدود السودان
تأسست جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا في الخرطوم عام 1996، وكانت بدايتها باسم أكاديمية العلوم الطبية والتكنولوجيا، قبل أن تحصل على وضع الجامعة عام 2007. وبدأت مسيرتها بعدد محدود من الطلاب، ثم توسعت لتصبح مؤسسة جامعية ذات برامج متعددة في العلوم الطبية والهندسية والإدارية والقانونية والإعلامية والتقنية.
وتشير البيانات الأكاديمية المنشورة للجامعة إلى أن برامجها تشمل الطب، وطب الأسنان، والصيدلة، وعلوم المختبرات الطبية، والعلوم الإشعاعية، والتمريض، والتخدير، والهندسة، وعلوم الحاسوب وتقنية المعلومات، وإدارة الأعمال، والقانون، والدراسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، والإعلام، إلى جانب تكنولوجيا الطباعة والتغليف وبرامج أخرى.
كما طورت الجامعة خلال مسيرتها شبكة من الشراكات والتدريب السريري، وأصبح لخريجيها حضور في عدد من الدول. وتقول الجامعة إن لديها أكثر من 12 ألف خريج يعملون في أكثر من 40 دولة.
“غو أفريكا».. التعليم السوداني يتجاوز حدود الحرب
ومع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، واجهت الجامعة تحديًا غير مسبوق يتعلق باستمرار العملية التعليمية وحماية مستقبل آلاف الطلاب. وبدلًا من توقف المسيرة الأكاديمية، اتجهت الجامعة إلى تجربة عابرة للحدود أطلقت عليها «Go Africa»، وأسست حرمًا في كيغالي بالتعاون مع مؤسسات التعليم العالي في رواندا.
وتوضح الجامعة أن حرم كيغالي أصبح يعمل بصورة مستقلة وحاصلًا على الاعتماد من مجلس التعليم العالي الرواندي، وأصبح يمثل تجربة مهمة في استمرار التعليم الطبي في ظروف النزاعات والأزمات.
كما استفاد طلاب الجامعة من التجربة التنزانية، حيث واصل أكثر من 190 طالبًا سودانيًا دراستهم الطبية في تنزانيا، وأكملوا تخرجهم بعد انتقالهم من السودان بسبب الحرب، مع الاستفادة من التدريب السريري في مستشفى موهيمبيلي الوطني في دار السلام.
ولم تقتصر التجربة التنزانية على استضافة الطلاب؛ ففي مايو 2025 أعلنت الجامعة توقيع اتفاق لإدارة مستشفيات في زنجبار وبمبا، في إطار توسيع حضورها في شرق أفريقيا وربط التعليم الطبي بالتدريب والخدمة الصحية.
العودة للوطن
ويرى البروفيسور مأمون حميدة أن تجربة رواندا وتنزانيا لم تكن بديلًا عن السودان، وإنما كانت استجابة استثنائية لظروف الحرب، هدفت إلى حماية مستقبل الطلاب والمحافظة على استمرارية المؤسسة التعليمية.
وقال إن الجامعة حاولت خلال تلك الفترة «توطين تجربة السودان في أفريقيا»، والاستفادة من التجربة في بناء نموذج تعليمي قادر على الصمود أمام الأزمات، معربًا عن أمله في نجاح جهود إعادة الإعمار وعودة السودان إلى موقعه الطبيعي.
وأضاف: «هذا البلد احتضننا وتربينا فيه وكان عطوفًا علينا، ولذلك كان من الضروري أن نواسي جراحه ونعود إلى أحضانه».
خطة اجتماعية لمساندة الطلاب والأساتذة
وفي إطار العودة، أشار حميدة إلى عدد من المبادرات التي اتخذتها الجامعة لتخفيف الأعباء عن الطلاب وأسرهم، من بينها إطلاق «منحة الكرامة» لنحو 150 دارسًا، إلى جانب تخفيض الرسوم الدراسية للطلاب بنسبة الثلث، وتخصيص منح مجانية للطلاب المتميزين، مع توفير السكن الداخلي لبعض الطلاب.
كما تشمل المبادرات، وفق حديث رئيس مجلس الأمناء، توفير سكن مجاني للأساتذة لفترة تتراوح بين ستة أشهر وعام، بالنظر إلى أن كثيرًا من أعضاء هيئة التدريس فقدوا منازلهم أو لم تعد مساكنهم مهيأة للعودة والسكن.
وتعكس هذه الإجراءات، بحسب حميدة، قناعة الجامعة بأن استئناف الدراسة لا ينبغي أن يكون مجرد إعادة فتح للأبواب، وإنما عودة متكاملة تراعي الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها الحرب.
إعادة تأهيل الجامعة.. البداية من استعادة الوظيفة التعليمية
وتواجه الجامعة، مثل غالبية مؤسسات التعليم العالي في الخرطوم، تحديات مرتبطة بآثار الحرب وما أصاب البنية التحتية والخدمات والمرافق من أضرار وتعطيلات.
وتتجه عملية العودة، وفق التصور الذي طرحه حميدة، إلى استعادة الوظيفة الأساسية للمؤسسة تدريجيًا، وإعادة تهيئة البيئة الأكاديمية بما يسمح بعودة الطلاب والأساتذة، وتوفير السكن والخدمات الضرورية، ثم تطوير البنية التعليمية والصحية والتقنية بالتوازي مع اتساع عملية الاستقرار في العاصمة.
وتكتسب هذه العملية أهمية خاصة بالنسبة لجامعة ذات طبيعة طبية، إذ إن إعادة تشغيل التعليم الطبي لا تتعلق بالقاعات الدراسية والمعامل فقط، وإنما ترتبط أيضًا بالمستشفيات ومواقع التدريب السريري والخدمات الصحية والكوادر الطبية.
وفي دراسة منشورة في American Journal of Tropical Medicine and Hygiene، شارك فيها البروفيسور مأمون حميدة وعدد من زملائه، تناولت الجامعة تجربتها في الحفاظ على برامج التعليم الطبي خلال الحرب، واعتبرت التجربة نموذجًا للتكيف والتعاون عبر الحدود في مواجهة تأثيرات النزاع على التعليم الطبي

