أميمة عبد الله
لقد أوتينا من تلك الناحية
ربما ليس أوان العودة للوراء و البلاد تخوض حرباً شرسةً في مواجهة المليشيات الغازية، أو لو أن هذه المراجعات في القضية الأكثر تعقيداً على الإطلاق في بلادنا كُتبت قبل بضعة أعوام لكانت ذات قيمة أكبر من الآن وذلك للظرف المختلف في ذلك الزمان، أحياناً قيمة ما يُكتب يكمن تأثيره لو أنه جاء في وقته، ولأننا من بعد ذلك اؤتينا من تلك الناحية ودخل المرتزقة بلادنا من بوابتها، لأن الذين يمارسون الحكم إن لم يكونوا حريصين على وقتٍ خاص لقراءة الكتب فإنهم أقلها بحاجة إلى قراءة الصحف اليومية للإطلاع على القضايا التي تؤثر بشكل مباشر على حياة من يحكمونهم ، لذلك إسمها السلطة الرابعة، ولذلك قال الرئيس الأمريكي – طوماس جيفرسون – في كلمة يشير مضمونها : بما أن الشعب يشكل الأساس بالنسبة لحكومتنا، فإن هدفنا الأول ينبغي أن يكون إعلامه وهو ما يعني – يقول جيفرسون – إذا كان لابد ليّ من الإختيار بين حكومة بدون صحف و بين صحف بدون حكومة ، فإنني سأحتفظ بالخيار الثاني من دون تحفظ.
و ما كان يقصده الرئيس الأمريكي هو أنه لا ديمقراطية و لا تنمية حقيقية في غياب إشراك الشعب، و لكن لا يمكن للشعب أن يشارك في بناء التنمية الحقيقية من دون امتلاكه للمعلومات الصحيحة و السليمة.
إن قضية السودان في دارفور ظلت تشكل عبئا ثقيلا على الحكومات، عجزت تماما على تعاقبها عن تقديم الحلول و معالجة القضية بالعدل والتنمية فتوالد الغبن على المركز و تراكم حتى انفجر .
في بلادنا إن لم تكن تمارس السياسة فإنك قطعا ولابد أن تتابع مجرياتها، لأن القضايا المؤثرة و المعقدة لا تُعالج و إنما تُرحل ولأن كل شئ يحدث من حولنا يكون نتيجة لأفعال وتحالفات من يمارسونها، وفي السياسة عندنا لا ثوابت تحالفات ولا محافظة على مبدأ ولا الوثوق بعهد، أسهل ما يمكن هو نقض الحِلف وسقوط العهد، كل ذلك يؤثرعلى مسار الدولة وحياة المواطنين ومعاشهم بشكل مباشرة ، وتكون أخطاء الحكومات كارثية فعلا لأن الضرر أشمل وأوسع دائرة مما يظنون.
عندما اندلع النزاع المسلح في إقليم دارفور غربي البلاد في فبراير من العام 2003م متمثلاً في ظهور الحركات المسلحة ، بدأت بعض الحركات في طرح مشروعها و أهدافها و أسباب حملها للسلاح – وذلك على حدودٍ ضيقة أو ضيقتها عليهم الحكومة – لقد كان الإقليم يعيش أوضاعاً مضطربة و لم يعرف الإستقرار الأمني ولا الإجتماعي و لا السياسي وذلك كله نتيجية تراكمات و رواسب منذ الإستقلال تعاقبت عليها الحكومات.
تطور الأمر وبدأت تلك الحركات في قتال حكومة المركز متهمةً إياها بتجاهل قضايا الإقليم و إضطهاد بعض مكونات مجتمعه، لقد كانت الهوة واسعة جدا في التنمية و توفير أساسيات الحياة الكريمة و إنعدام مظاهر الدولة في المدن الصغيرة وضعف قبضتها الأمنية في مدن مهمة .
جاء رد الحكومة وقتها صادما لكثير من المواطنين المتابعين لقضية دارفور، ما لبثت أن بدأت بشن حملات قتالية واسعة ، قاتلت الجماعات قتالا لا هوادة فيه ذهب ضحيته الآلآف من المواطنين الأبرياء، هُجرت قرى كاملة من مكانها و ظهرت معسكرات النزوح و تمددت، و تحولت المساحات الخضراء إلى سوادٍ جراء الحرائق و فقدت الأمهات أولادهن و لجأ البعض إلى دول الجوار تحديدا دولة تشاد و أُنشئت معسكرات اللجوء على الحدود السودانية التشادية و سكن الناس في بيوت من بروش و طين ، وبدأت خارطة الإقليم السكانية تتغير مع مرور السنوات و إستمرار المواجهات القتالية مع التعتيم الإعلامي ، و كان حصاد القتال تشريد الآلآف من سكان الإقليم ، لا الحركات قدمت ولا الحكومة أنصفت .
وصارت قضية دارفور أشد خطرا علي السودان من قضية الجنوب و ذلك لتدويلها لاحقا فكانت البوابة لتنفيذ الأجندة و الأطماع الدولية في الموارد، وصنعت الأجندة الخارجية أدوات داخلية ، فباع الكثير منهم شرف النضال وتاهت حقوق الناس ، الحكومة أيضا لم تتعامل مع القضية بجدية ولم ستعى لمعالجتها بالتفاوض و عدل التنمية، لأنه لا سلام ولا إستقرار بدون تنمية متوازنة، بل حاولت معالجة القضية بالحسم العسكري متجاهلةً أن الإنتهاكات الإنسانية التي تُرتكب أثناء الحرب لا يمحو آثارها الحسم العسكري
هكذا هي الحكومات الشمولية لا تحتمل الراي الآخر، لكن تاريخ الشعوب قديم جدا في ظهور مثل هذه الحركات النضالية،عندنا في السودان أصبحت قضية النضال زريعة للحصول على المال والسلطة ، تفرّخت الجماعات المسلحة ككائن شديد الخصوبة و ما لبثت الحكومة أن إستثمرت في هذا الأمر، قربت جماعة و حاربت أخرى،والحصاد تعددت الواجهات وظهرت أسماء لا قيمة لها ولا عهد ولا وطنية متخذة من ورطة السودان في قضية دارفور مهنة ولعب على حبال السياسة، وحلمّ للوصول إلى حكم السودان ، وما بين التهاون والأطماع والجهل بقيمة البلاد عصفت أزمة دارفور بالسودان كله و أصبحت بوابتها مشرعة للمرتزقة وهواة الحرب و طالبي الغنائم
كنت من جملة المواطنين المهتمين بقضية هذا الإقليم لكن من دون محاولة التعرف عن قرب على مؤسسي الحركات ، أتابع ما يحدث من خلال الصحف الورقية و قناة السودان، و الاحاديث المتناقلة وفقا لعلاقاتنا الخاصة ، في ذلك الوقت لم يكن الإعلام مفتوحا كما الآن ، الظهور والإستخدام المتأخر عندنا لمواقع التواصل مثل الواتساب وتويتر وفيس بوك و إنتشار المواقع الإلكترونية وتعددها جعل الكثير جدا من مجريات الأمور وآثار الحرب المدمرة للإقليم وأيضا مبرراتها التي دعت مؤسسي الحركات للقتال المسلح، كل تلك الأسباب حدّت تماما من إطلاعنا على الحقائق، لقد كان للبعد الجغرافي والتعتيم الإعلامي من قِبل حكومة المركز وعدم التعامل بجدية والتفاوض بصدق والإلتزام بتنفيذ مخرجات وتوصيات المفاوضات لاحقا مع قادة الحركات أثر كبير على تطور النزاع المسلح و تعدد الجماعات و إتساع رقعة القتال حدّ عجز الحكومة عن مواجهة تلك الجماعات المسلحة.
في ذلك الوقت كنت مقتنعة تماما أن حكومة المركز و قادة الحركات مشتركون فيما حدث من تهجير و موت بلا أسباب واضحة لآلآف السكان، و أن أول من طاله الأذئ هم مواطني الإقليم و كتبت ذلك في نصوص ادبية لم يُسمح لها بالنشر وقتها، و كنت أعتقد أنه لا جهة تضررت مثل تلك المناطق وسكانها التي إدعت الحركات أنها قامت من أجلها، والحكومة تعاملت معها بعيدا عن أعين الإعلام وبقية الأقاليم ، لاحقا و بعد أن إستعرت المواجهات انشأت الحكومة جماعة موازية أخرى من سكان الإقليم ذاته تحت قيادة أعلى سلطة في الدولة – ذلك كان من القرار الاكثر خطورة على الإطلاق – لمتابعة القتال سنداً أو بدلاً عنها، ظناً منها ان ذلك هو الحل المُنجز لإنهاء النزاع المسلح هناك ، تكوين هذه الجماعة تحت مسميات مختلفة – – تأخذ في كل مرحلة إسما مختلفاً- كان تكوينها عبئا ثقيلا على خزينة الدولة فالصرف على مليشيات خارج الجيش الوطني و تسليحها و تمويلها والصرف المباشر عليها لسنوات عدة جعل الخلل واضحا في تحديد أولويات الصرف على قضايا مهمة مثل قضايا التعليم والصحة والطرق والتنمية، ولو أن الحكومة صرفت على تلك القضايا بالعدل لكفت البلاد شر الإقتتال الداخلي الذي نعيش نتيجته الآن، ظلت مدن تمثل حواضراً لأقاليمها مهملة تعود إليها بعد عشرات السنين لتجد حالها كما هو ، هذا بالطبع غير ضعف الصرف على تقوية شكيمة الجيش الوطني
عندما نقول أن مسئولية الوطن عظيمة والقيادة تتطلب قدراً كبيراً من الأخلاق و معرفة قيمة البلاد و تعدد مواردها و مساحاتها الخصبة الممتدة الشاسعة و تنوع شعبها المذهل حد الإحساس أننا عدة شعوب في شعب، فإننا نرى أثر ذلك القول الآن ، لقد عصفت قضية دارفور و التساهل والقرارات الخاطئة تماماً بالسودان كله واؤتينا من بوابتها، حربا شاملة ضروسة لم يكد أحد ينجو منها حتى القرى المحشورة والغير معروفة في الولايات الأخرى والبعيدة جغرافيا عن دارفور لم تنجو من شر الجنجويد ، هكذا تكون أخطاء الروؤساء و الحكومات المتعاقبة تعصف بالدولة و تُدخل شعبها في محنة التهجير وتغير الخارطة السكانية و المخاض العسير لواقع جديد

